يعيش السوريون المشتتون داخل الوطن حالات نفسية واجتماعية مركبة نتيجة الالتحام القسري مع البيئات المحلية المتباينة بالثقافات المغايرة. السياق العام للوهلة الأولى يوحي أن البيئات التي يقصدها النازحون لا تغدو غريبة عن سلوكياتهم وعاداتهم كون الفعل الثوري كفيل بردم التناقضات الاجتماعية على حساب وحدة الهدف والموقف ضد النظام. لكن في السياق الخاص والمتعايش يومياً، بقي التباين في الأعراف والتقاليد حجر عثرة في طريق اندماج النازحين مع السكان المحليين، كما أن مشقات النزوح المزدوج والبحث عن ملاذ آمن كان أكثر أهمية من عامل الاندماج نفسه في بعض الأحيان.

فغالبية سكان المنطقة الوسطى، حمص وحماة، قصدت المناطق الشمالية الشرقية وتحديداً محافظة الرقة. لكن مع تحرير الرقة واستخدام النظام القصف الجوي كرد فعل عكسي على عملية التحرير، تشتت السكان المحليون مع النازحين معاً صوب المناطق الريفية الأكثر أمناً. وعليه، غدت أم حسام، وهي سيدة نزحت من حمص ترافقها اثنتان من بناتها، وسط حالة متأزمة جراء موجات النزوح المتوالية. وتقول: «نحن جميعاً سوريون، لكن عادتنا تختلف، وطريقة تعاملنا تتباين، بالكاد حاولنا التعرف على الجيران في الرقة، حتى وجدنا أنفسنا أمام أناس غرباء يحيطون بنا في إحدى القرى الريفية الشمالية من الرقة».

وتضيف السيدة التي تركت زوجها يقاتل مع الجيش الحر في حمص: «استقبلَنَا الأهالي بحفاوة بالغة، لكن حصلت بيننا بعض التوترات في البداية. فهنا الصبغة العشائرية والبدوية طاغية على حياة السكان، عكس الحماصنة الذين يولون أهمية للمفهوم العائلي دون وجود أوامر تصدر من زعيم العشيرة أو القبيلة في بعض القضايا الاجتماعية».

قصة مأساوية

أما أبو محمد، وهو متحدر من الرقة، فيقول في معرض حديثه عن طبيعية نازحي حمص وحماة: «هم صبورون ويتحملون الشقاق في أحلك الظروف، لكنهم لم يندمجوا مع المجتمع الرقاوي». ويروي أبو محمد حادثة مأساوية عن أحد النازحين الذي ترك منزله في حي باب القبلي بحمص هارباً من الدمار الذي يلحقه يومياً، واستأجر بكل ما يملك من نقود بيتاً في منطقة أكثر أماناً بالرقة: «منذ فترة جاء جاره في حمص ليبلغه أن منزله انهار تماماً. لم يبدِ امتعاضاً أمام أفراد أسرته، بل استقبل الخبر ببرودة كبيرة». ويردف: «دخل غرفته مع ساعات الفجر الأولى يبكي بكاء مراً، حيث أطاح الدمار بكدح العمر. وفي الصباح، تفاجأ أفراد عائلته بموته من القهر إثر إصابته بجلطة قلبية».

مشياً على الأقدام

وزاد قصف النظام مؤخراً على الرقة من حدة معاناة النازحين الفارين من المدينة، متذبذبين بين كيفية الاندماج مع المجتمع المحلي والحفاظ على غريزة البقاء. فأم حسن، المتحدرة من حي باب السباع في حمص، قصدت مدينة عيسى الواقعة شمال غربي الرقة مشياً على الأقدام مع بضع عائلات نازحة من مختلف المناطق السورية هرباً من قصف النظام على الرقة، ليحط بهم الرحال في إحدى مدارس البلدة. وتقول: «قطعنا 50 كيلومتراً مشياً على الأقدام، حيث رافقتنا بعض العائلات من الرقة. والآن، يصعب علينا التأقلم مع الوضع الجديد». وتضيف: «قدم الأهالي هنا كل ما بوسعهم لإزالة شعور المرارة والغربة عنا، لكنهم يعانون أيضاً ويفكرون بمصيرهم ومستقبلهم».

 

حظيرة حيوانات

ثمة معاناة أشد فتكاً تتمثل في تأمين ملاذ آمن للنازحين من البرد وتخفف عنهم وطأة التشتت في الشوارع مع حاجياتهم المنزلية البسيطة. فالأولوية هنا تكمن في تأمين السكن حتى لو كان داخل حظائر الحيوانات، وهو ما جرى مع عدة عائلات حمصية في إحدى القرى التابعة لبلدة عين عيسى، حيث سارع القرويون إلى تنظيف زريبة الغنم والبقر المعمرة بالطين لتكون ملاذاً للنازحين الجدد.

ويروي أبو سامر، وهو من حي القرابيص في حمص، بأنهم انتظروا أسبوعين في العراء على أمل إيجاد منزل يجمع شتاتهم إلا أن اليأس كان نصيبهم. ويردف: «عرض القرويون علينا السكن في زريبة الغنم بعد تنظيفها بشكل جيد، فالمكوث في العراء بانتظار منزل غير متوفر أصلاً، دفعنا إلى السكن في الزريبة».