ليس هناك، خلال العقد الأخير، ما يؤرق أميركا أكثر من سيرة حرب العراق. صدمت بما تكشف عنها وانتهت إليه. تتمنى لو تسقط هذه الخدعة الورطة من ذاكرتها. لكنها لا تقوى على نسيانها.
وإذا كانت هذه الحرب غائبة إجمالاً عن التداول السياسي والإعلامي في واشنطن منذ الانسحاب في نهاية 2011، إلاّ أنها حاضرة في الوعي الأميركي كغزو عدواني لبلد آخر، لم يكن له مبرر ولا مسوّغ وكفضيحة قامت حيثياتها وذرائعها على الكذب والتلفيق والتصميم المسبق. وقائع لا يجادل فيها غير بقايا المحافظين الجدد.
ولعلّ أكثر ما يستوقف المراقبين عند العودة إلى هذا الملف، أن حماقة بهذا الوزن والكلفة، جرى تمريرها بخفة واستخفاف وفوقية وفي غفلة حالت دون استدراكها لتحاشي نتائجها الموجعة والمفجعة.
الكل، من «الكونغرس» ووسائل إعلام وكثرة من أهل الرأي والخبرة، ساروا وراء جوقة الحرب ومرّت عليهم تحايلاتها من خلال خطاب التخويف والترويج لمعلومات استخبارية ثبت زيفها. كل ما تذرّع وبشّر ووعد به مهندسو الغزو، حصل نقيضه. ومع ذلك لا مساءلة.
وهذا ما يغيظ فريقاً من أهل الرأي والخبرة في شؤون الأمن القومي، لاسيما وأن المحاسبة على مثل هذا التهور والغش المفضوح، ما زالت مغيّبة. والأنكى أن بعض رموز ومنظري الحرب ما زالوا على المسرح يدلون بدلوهم ويغتنمون أي فرصة لإحياء خطابهم القائم على الحقن والتحريض والتأزيم الدولي. وكلمتهم مسموعة في بعض الأروقة السياسية والإعلامية.
بل إن منهم من لا زال يعاند ويكابر، رغم كل ما انكشف وجرى وحصل؛ في الدفاع عن قرار الحرب وتمهيداته المفبركة. نائب الرئيس السابق ريتشارد تشيني، أحد أبرز صقور مرحلة بوش المتحمسين لحرب العراق، يفاخر أخيراً في مقابلة معه، بأنه «لن يتردد لحظة في اعتماد نفس السياسة والتوجّه»، لو تسنى له أن يكون في موقعه من جديد.
فضائح وتقرير
عادة يغيب أثر أصحاب الأخطاء الكارثية، عن الشاشة. يعتزلون ويختفي ذكرهم. والتاريخ الأميركي حافل بأمثالهم. خاصة قيادات عسكرية وسياسية، من مرحلة حرب فيتنام. لكن ليس صقور المحافظين الجدد.
والسبب ليس فقط في استبداد التخشب الإيديولوجي وعقلية الهيمنة والإملاء عندهم، بل أيضاً في كون أن هؤلاء نجحوا في مغمغة وتزييف قصة حرب العراق، من البداية إلى النهاية. «من اختراع كذبة سلاح الدمار التي تناسلت عنها أخطاء كبيرة في الأداء ونكران الورطة بل الإعلان المبكر عن إنجاز المهمة، على لسان الرئيس السابق جورج بوش، والاستخفاف بالتحذيرات الميدانية ومحاولة تهوين التورط»، بحسب ما يقول فيليب كارتر الباحث في «المركز الأمني لأميركا الجديدة» بواشنطن.
عدا عن مسلسل الفضائح من أبوغريب إلى تبخر 8 مليارات دولار من أموال مشاريع الدعم، بحسب ما جاء في تقرير المراقب العام قبل أيام. وساعدهم على ذلك، أن المرجعيات في النظام حرصت هي الأخرى على لفلفة هذا الخطأ الاستراتيجي الأكبر، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية.
وتبدّى ذلك في تقرير مجموعة «باكر هاميلتون» التي كلفها «الكونغرس» في مارس 2006 تقديم دراسة عن سير الحرب، والخروج بتوصيات ومقترحات لتقليل الخسائر وتجاوز المأزق. لكن لم يحصل أي تحقيق في أسباب المأزق والذين تسببوا به ومارسوا التحايل على القانون والرأي العام، في أميركا والعالم.
تزييف وحماقة
لكن التزييف لم يصمد. مطاردة المغامرة لفضح المزيد من جوانبها، لا تغيب لفترة إلا لتعود وتطل من جديد. خاصة في مراكز الأبحاث والدراسات والمؤرخين الذين نشروا العديد من الكتب الناقدة حولها في الأعوام الأخيرة.
ومع اقتراب ذكراها العاشرة، عاد هؤلاء إلى فتح الملف مرة أخرى، لتسليط الضوء على «الحماقة الفاشلة» التي أدت إلى خراب بلد وتمزيقه وسقوط عشرات آلاف الضحايا من مواطنيه، إضافة إلى أكثر من 22 ألف ضحية أميركية منهم 4481 قتلوا، وما يزيد على 800 مليار دولار، حتى الانسحاب.
لكن التقديرات تتحدث عن كلفة متواصلة حتى أواخر العقد، قد تصل إلى عدة تريليونات من الدولارات بين خسائر اقتصادية ومعالجة آلاف الجنود الجرحى والمعطوبين، بحسب أرقام مركز مختص بسياسة الأولويات في الموازنة، بواشنطن.
وبعد كل ذلك لا قامت الــديمقراطية ولا تعافى العراق الذي بات حليفاً لإيران. فما جرى أن الفريق الذي مضى إلى هذه الحرب، حاول أن «يثبت قدرة الولايات المتحدة على فرض مشيئتها على خصومها، كما كانت تفعل بريطانــيا في الماضي»، بحسب ما يقول أستاذ مادة الـــتاريخ في جامعة بوسطن أندرو باسافــيتشن. وبذلك «خلقنا فوضى ليس هناك من نتركها له. صحيح دخلنا بغداد وخلعنا صدام لكننا لم نخرج منتصرين».
دعوات
في ذكراها العاشرة، استعادت سيرة حرب العراق بعض سخونتها، وتشي المراجعات النقدية بأن هذا الملف الذي غادر مساحات الخبر دخل مرة أخرى إلى قاعة محكمة الرأي. وثمة دعوات لتخصيص موقع إلكتروني له، من أجل استمرار «التذكير بالذين خططوا وتسببوا ونفخوا بنار هذه الحرب، لتبقى في الذاكرة وتتغلب على النسيان»، بحسب ما جاء على موقع «هافنغتون بوست».