عشرة أعوام مضت على ما أطلق عليها البعض «حرب التحرير»، بينما سماها آخرون «غزو العراق» أو «الاحتلال الأميركي للعراق»، في حين وصفها غيرهم بـ«حرب الخليج الثالثة». في 20 مارس 2003 وفي الساعة 5.30 فجراً بتوقيت بغداد، سمع دوي الانفجارات. وبعد 45 دقيقة صرح الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بأنه أصدر أوامره بتوجيه «ضربة الفرصة» التي تبيّن في ما بعد أنها استهدفت منزلاً كان يعتقد أن الرئيس السابق صدام حسين موجود فيه.
كان الغزو سريعاً بالفعل. فبعد نحو ثلاثة أسابيع، سقطت الحكومة في بغداد، وبدأت القوات الأميركية تحركها نحو العاصمة التي دخلتها في 9 أبريل، وبسطت سيطرتها على معظم المناطق في العراق.
وفي 9 أبريل، بدأت عمليات سلب ونهب واسعة النطاق، يبدو أنها كانت مخططة مسبقاً في بغداد وبعض المدن، ولم تستثن بناية حكومية سواء عسكرية أو مدنية، دون أن تكلف القوات الأميركية نفسها عناء حمايتها، متذرعة بعدم توافر العدد الكافي من الجنود لهذا الغرض، في حين سرق من المتحف الوطني العراقي نحو 170 ألف قطعة أثرية.
وسبقت تلك الحرب مقدمات استمرت منذ حرب الخليج الثانية 1991، وصولا إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، والتي أدرج العراق بعدها ضمن «محور الشر»، وهو المصطلح الذي ابتدعه بوش لوصف العراق وكوريا الشمالية وإيران، ثم بدأت الجهود الدبلوماسية الأميركية بالتحرك للإطاحة بصدام.
قرار وعواقب
ففي نوفمبر 2002، مرر مجلس الأمن بالإجماع القرار رقم 1441 الذي دعا إلى عودة لجان التفتيش عن الأسلحة إلى العراق. وفي حالة رفض العراق التعاون مع هذه اللجان، فإنه سيتحمل «عواقب وخيمة».
لكن القرار المذكور لم يذكر كلمة استعمال القوة. وعندما وافق عليه مجلس الأمن بالإجماع، لم يكن في تصور الدول المصوتة أن العواقب الوخيمة كانت محاولة دبلوماسية من الولايات المتحدة لتشريع الحملة العسكرية.
وقدمت إدارة بوش مجموعة من التبريرات لإقناع الشارع الأميركي والرأي العام العالمي بشرعية الحرب، منها «استمرار صدام في عدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش على الأسلحة بمزاولة أعمالها في العراق»، ثم أكدت أن له صلات مع تنظيم القاعدة المسؤول عن هجمات 11 سبتمبر، إضافة إلى امتلاكه أسلحة الدمار الشامل.
إلا أن القوات الأميركية، وبعد احتلالها العراق، لم تعثر على تلك الأسلحة المحظورة، أو تكتشف وجود أية صلة لصدام مع تنظيم القاعدة.
وتشير الوقائع إلى أن الغزو الأميركي حطم بلداً بإمكانياته البشرية والمادية ودمر بناه التحتية ووضعه على حافة حرب أهلية بسبب طريقة إدارته الخاطئة بعد الاحتلال.
وأدت الأحداث التي تلت تفجير قبة الإمامين العسكريين في سامراء في 2006 إلى عمليات تهجير للعراقيين تعد الأكبر منذ أزمة اللاجئين الفلسطينيين التي أعقبت قيام إسرائيل في 1948، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
أوضاع مزرية
ومع أن قوات الغزو الأميركية والقوات المتحالفة معها لم تقصف محطات الكهرباء، كما فعلت العام 1991، إلا أنه لم يتم إنشاء محطة كهرباء رئيسة واحدة منذ العام 2003، بدعوى عدم استقرار الوضع الأمني، في وقت كانت محافظات العراق الجنوبية ومحافظات كردستان في وضع يسمح بإنشائها.
وينطبق هذا الوضع على مصافي النفط. إذ بات العراق، ولأول مرة في تاريخه، يستورد المشتقات النفطية بمليارات الدولارات سنوياً بدل تشغيل مصافي النفط التي لم تتضرر بالحرب أو إنشاء مصاف للنفط، وهو الذي يقبع على ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم.
وبعد أن كان العراق قد تخلص من الأمراض والأوبئة التي كانت مستوطنة فيه، عادت إليه هذه المرة، وبقوة، وخصوصاً وباء الكوليرا الذي اجتاحه من الشمال وحتى الجنوب، بسبب مياه الشرب الملوثة، وضعف الخدمات، والفقر، إضافة إلى أمراض أخرى كالسل وحبة بغداد. أما البطالة، فوصلت إلى أعلى مستوياتها، حيث تجاوزت في أفضل حالاتها 40 في المئة، فيما تجتاح الأمراض ومياه الشرب الملوثة مناطق عراقية مختلفة.
آثار اجتماعية
وفي دراسة علمية أجريت أخيراً على عينة عشوائية من 4332 شخصاً في مناطق العراق كافة، واعتبرت أول مسح للصحة النفسية في العراق منذ غزوه في مارس 2003، تبين أن 16.6 في المئة من العراقيين يعانون اضطرابات نفسية.
وقسمت الدراسة إلى أربعة أصناف، حيث سجلت اضطرابات القلق أعلى نسبة، إذ وصلت إلى 18.8 في المئة، كانت للنساء حصة أكبر من الرجال فيها.
وفي معرض تعليقها على نتائج الدراسة، تقول ممثلة منظمة الصحة العالمية في العراق نعيمة القصير: «كنا نتوقع نتائج أسوأ في الدراسة، ولكن ما حصل أنها تحدثت عن بعض الأعراض النفسية، وليس جميعها». وتضيف أن العراقيين «مضطرون إلى تطوير استراتيجية للبقاء على قيد الحياة بسبب عقود من الاضطرابات».
ونشرت صحيفة «شيكاغو تريبيون» الأميركية دراسة، استناداً إلى إحصاءات منظمة الصحة العالمية والحكومة العراقية، أظهرت أن 70 في المئة من العراقيين الذين يقولون إنهم يعانون من اضطرابات نفسية، فكروا جدياً في الانتحار وإنهاء حياتهم.
السياسة والاقتصاد
وعلى الصعيد السياسي، فإن العملية السياسية التي أسسها الأميركيون على المحاصصة الطائفية والعرقية، دخلت مرحلة تضارب المصالح الحزبية. ويكاد يجمع المحللون السياسيون على أن المستفيد الأول والأخير هو إيران. واليوم، يرى كثير من العراقيين أنهم كانوا ضحية لعبة دولية مزقت بلادهم وحاولت تفكيكها وأشاعت مظاهر القتل والعنف والفساد.
وفي المجال الاقتصادي، دمرت بنية العراق التحتية وقطاعاته الاقتصادية بشكل مباشر نتيجة للحرب وتداعياتها اللاحقة المباشرة أو غير المباشرة، عن طريق السياسات والتدابير والإجراءات التي اعتمدتها إدارة الاحتلال والإدارات التي خلفتها.
معاناة
يؤكد مراقبون أن ضعف كفاءة معظم مسؤولي أجهزة الدولة الحاليين، وفي ظل قتل أو لجوء الكفاءات العلمية والإدارية إلى خارج العراق، أدى إلى تدهور الخدمات، ما يعني استمرار معاناة المواطن العراقي من أزمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والوقود والمجاري والبطالة والسكن.






