دشّن اليمن مرحلة جديدة في تاريخه بإطلاق مؤتمر الحوار الوطني تحت شعار: «بالحوار نصنع المستقبل» ووسط إجراءات أمنية مشدّدة وغير مسبوقة في مسعى لترميم جروح وفتوق قديمة متجدّدة بقيادة قضية الجنوب بما لها من ثقل كبير، ووضع دستور جديد يرسم المستقبل، وفيما شدّد الرئيس عبدربه منصور هادي على ضرورة حل حقيقي وعادل لمعضلة الجنوب وفشل الحلول العسكرية، أعلنها صراحة وبلا مواربة: «من لا يعجبه هذا الحوار فالباب أمامه»، في المقابل واعتراضاً على المؤتمر اندلعت اشتباكات في محافظة حضرموت جنوب البلاد ما أدى إلى مقتل متظاهر، بينما تظاهرت مدن جنوبية أخرى رفضاً للحوار.
ودعا الرئيس هادي، في كلمة افتتح بها المؤتمر الذي ترعاه الأمم المتحدة ويشارك به مجلس التعاون الخليجي، إلى حل عادل لقضية الجنوب، مشيراً على أنّ «حل القضية يعد مفتاح حل مختلف مشاكل البلاد»، شريطة الابتعاد عن استخدام القوّة المسلحة، مطالباً في الوقت ذاته اليمنيين الاتعاظ من الحروب السابقة من أجل بناء الدولة الحديثة، مردفاً: «يجب معالجة القضية المحورية في المؤتمر القضية الجنوبية وتقفوا أمامها بمسؤولية وإحساس وطني عميق بعيد عن الحلول المطبوخة الجاهزة وأنواع الابتزاز».
وفي أعقاب افتتاحه مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء أمس، وسط تحفّظ أحزاب اللقاء المشترك»على قوائم أسماء المشاركين وتغيّب رئيس الوزراء محمد سالم باسندوه لذات الدافع، شدّد الرئيس عبدربّه منصور هادي على أنّ «حل قضية الجنوب سيؤدي إلى حل عقد اجتماعي جديد بعيداً عن أمراض التخلّف والعصبية والقروية، مردفاً القول: «نريد دستوراً يخرجنا يرتقي بالفرد اليمني إلى مستوى معيشي رغم كل المصاعب».
تلاحم شعب
وقال هادي، مخاطبا 565 من المشاركين في المؤتمر، إنّ «اليمن ينتصر لليمن الكبير الموحّد بعيداً عن هيمنة الأسرة أو المنطقة أو القبيلة يلتحم فيه اليمنيون لكتابة صفحة بيضاء في تاريخهم المعاصر ويطوون صفحة كالحة السواد كادت أن تؤدي بهم إلى الحرب الأهلية»، لافتاً إلى أنّ «المختلفين سابقاً من قوى سياسية يقفون اليوم تحت سقف واحد»، مطالباً المشاركين مغادرة محطّة الماضي والتخلّص من عصبيات متخلّفة واستحضار العبر والعظات التي تساعد على الانتقال إلى مستقبل أفضل. وردّاً على محاولات البعض إثارة الفوضى واعتراض مقدّم الجلسة، قال: «الذي لا يعجبه هذا الحوار فالباب أمامه، لا تغيروا اتجاه الحوار».
«قتيل» في رفض حوار
وبعيد انطلاق مؤتمر الحوار الوطني، أدت مواجهات بين متظاهرين انفصاليين والشرطة إلى مقتل ناشط جنوبي في مدينة تريم التابعة لمحافظة حضرموت، بينما نزل الآلاف إلى شوارع عدن ومدن جنوبية أخرى رفضا للحوار وفق ما أفاد ناشطون.
وذكر الناشط فؤاد راشد لوكالة الصحافة الفرنسية، أنّ «الحراك الجنوبي نفّذ عصياناً مدنياً في تريم لرفض الحوار وحصلت مصادمات مع الشرطة، ما أسفر عن مقتل ناشط وإصابة آخر واعتقال أربعة».
ونزل الآلاف للتظاهر في ساحة العروض في عدن وفي مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، رافعين شعار «لا للحوار، نعم للاستقلال»، مردّدين شعارات رافضة للوحدة والحوار مثل: «القرار قرارنا والتحرير خيارنا»، و «لا للحوار اليمني»، و«معا للتحرير والاستقلال»، و «لا تراجع لا حوار نحن اصحاب القرار»، و«ثورة ثورة يا جنوب».
مصاريف
أكّدت مصادر يمنية مُطّلعة أنّ المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني والذي دُشّن في صنعاء أمس، سيتقاضى كل واحد منهم 400 دولار أميركي في اليوم الواحد.
وتوقّعت المصادر أن تطول فترة جلسات الحوار إلى أكثر من الستة شهور المقرّرة.
رفض مشاركة
أكّدت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان، أنّها «لن تشارك في الحوار الوطني احتجاجا على تهميش الشباب الذين قادوا الحركة الاحتجاجية في اليمن، ومشاركة جهات متورّطة في قمعهم وبقاء الجيش منقسماً».
وقالت كرمان التي ورد اسمها في قائمة هيئة الحوار المؤلفة من 565 مندوباً يمثّلون كافة الأطراف اليمنية، «لن أشارك في جلسات مؤتمر الحوار نتيجة الاختلال الكبير في تمثيل الشباب والمرأة والمجتمع المدني».
وأشارت كرمان في تصريحات صحافية إلى أنّ «الجيش لايزال منقسما وكان يجب توحيده وإنهاء الانقسام في الأسابيع التالية لتولي الرئيس عبدربه منصور هادي السلطة، مضيفة أنّ «الإدارة الانتقالية ممثّلة بالرئيس والحكومة لم تقم باتخاذ الاجراءات اللازمة لكفالة النزاهة والرشد في الإدارات العامة، ولا يزال الفاسدون في كافة المناصب المدنية والعسكرية والأمنية دون اي مساءلة او حساب على إساءة استغلال السلطة السابقة»، معتبرة أنّ «الرئيس السابق علي عبدالله صالح ما زال يلعب دوراً سياسياً كبيراً، الأمر الذي أثّر على توزيع المقاعد في الحوار.
أجندة تحاور
يناقش أعضاء مؤتمر الحوار الوطني الـ 565 يمثّلون الأحزاب السياسية والشباب والنساء والمستقلين ومنظمات المجتمع المدني والحراك الجنوبي والحوثيين، قضية الجنوب وقضية صعدة والقضايا ذات البعد الوطني على غرار قضية النازحين واسترداد الأموال والأراضي المنهوبة، فضلا عن قضية المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وبناء الدولة والحكم الرشيد.
كما يناقش المؤتمرون أسس بناء الجيش والأمن ودورهما، إضافة إلى استقلالية الهيئات ذات الخصوصية والحقوق والحريات.
