التجزئة تلوح أمام وطن يعاني انقساماتٍ عميقة

سوريا.. المستقبل في التاريخ

لم تكن ولادة سوريا بعد الحرب العالمية الأولى يسيرة. فالمملكة التي لم تعمر سوى عامين بحدودها الطبيعية، انتهت إلى «سوريات» في 1920 بحدودها الحالية. بات هذا التاريخ نقطة تحول حقيقية للواقع الذي سيختبره السوريون في العقود التسعة المقبلة قبل ثورتهم في 2011، حيث كان نتاج خلافات متجذرة بين مكونات مجتمعٍ غير متجانس أكثر مما هو بدعة أوجدها الانتداب الفرنسي الذي لعب دوراً كبيراً في توحيد سوريا في ما بعد بالضد من رغبة العديد من نِحَلها. وعليه، كونت دول: العلويين، دمشق، وحلب اتحاداً فيدرالياً بين 1922 و1924، قبل أن تنسحب الأولى وتشكل دمشق وحلب دولة سوريا، في ظل استمرار الخصومة التاريخية بين المدينتين.

توتر ووحدة

وبعد أن عُقدت معاهدة 1936، اعترض العلويون على ضمهم إلى دول دمشق وحلب والدروز لتشكيل الوطن الحالي، معتبرين في رسالة من وجهاء الطائفة إلى رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم أن لا شيء يجمعهم مع نظرائهم. ومع جلاء القوات الفرنسية في 1946، كان واضحاً أن جمر التوتر المختفي تحت رماد الاستقلال سيطلق الشرارة التي تشعل النار في الوحدة، خاصةً مع فتح أكرم الحوراني فرصة تحزّب الجيش وتغلغل أقليات الأرياف في المؤسسة العسكرية، مستخدمين إياها مطيةً سياسية، عدا عن كونها وسيلة لتسلق السلّم الاجتماعي، تعوضهم عن تسيد البرجوازية السنية المدينية، والتي شهدت سوريا في أوج حكمها بين 1954 و1958 ربيعاً ديمقراطياً فريداً من نوعه.

نهاية وبداية

وكان انقلاب تحالف الأقليات البعثية في فبراير 1966 نهايةً لـ«العهد السني» وبدايةً لحكم آل الأسد الذي دُشن رسمياً بعد ذلك بأربعة أعوام. اعتبر أولو الانقلاب أن من حقهم حصد نصيبهم من الثروة والسلطة وإنهاء عقود، بل وقرون، من الحرمان والتهميش والاضطهاد. فأطلقوا موجات تسريح عسكرية وإقصاء سياسية أفسدت وشوهت مفهوم الدولة ومؤسساتها، وزادت الفجوات الاجتماعية، وخلقت غيتوهات طائفية وعرقية فاقعة بشكلٍ أكبر من كانتونات العشرينات والثلاثينات. كان من المحتم أن تؤدي تراكمات الاستبداد والفساد والطائفية إلى ثورة عارمة بعدما عمّق النظام الأسدي حالة الاستقطاب والفرز في النواحي السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، ليس بين من هو «مع النظام» و«ضده» فحسب، بل وبين من هو «منّا» و«الأغيار» أيضاً.

ردة فعل

وتالياً، لم تكن ردة فعل النظام على التظاهرات عفوية أو اعتباطية، حيث مزج ما بين القمع الدموي المنظم واستدراج التاريخ عبر تعبئة العلويين والدروز والمسيحيين في تحالفٍ ثلاثي، لم يكن معلناً قبل الثورة، ضد الأغلبية السنية المهمشة، خاصةً في الأرياف، بعدما أحدث آل الأسد «أوليغاركية» سنية مدينية فاسدة تحالفت معهم مصلحياً، حلت مكان البرجوازية التقليدية التي أبيدت في انتفاضة 1976- 1982. ومن هنا، يمكن فهم الدفاع المستميت من القرى والبلدات والمدن غير السنية عن النظام وانخراطها في ميليشيات مدعومة منه ارتكبت المجازر واستضافت المدفعيات عن طيب خاطر لقصف مناطق «الأغيار».

 ومن هنا كذلك، يُفهم «الصمود» الذي شهدته المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية في مراتبها العليا، والتي لم تشهد أي انشقاقات أو انقلابات بسبب الارتباط العضوي مع النظام. سوريا التي كانت قبل 15 مارس 2011 لن تبقى كذلك. ولئن كان التفاؤل يفرض على البعض تخيل اللامركزية حلاً لمشاكلها المستعصية، فالثابت أن ذلك المخرج يتطلب إرادة ووعياً كبيرين وتاريخاً ناصعاً لا أحمر، لا تتوفر جميعها في المزاج الحالي، سواء الداخلي أو الخارجي، لتمضي سوريا في طريقٍ يجتر الماضي.

وإن كان التاريخ والجغرافيا لعبا، ويلعبان، دوراً أوضح مما لعبته السياسة في رسم ماضي وحاضر ومستقبل السوريين، فإن الشك المتبادل ولوائح المجازر بين فئات المجتمع سمح بما حصل ويحصل ويمهد في المستقبل للمصير المحتوم.. سوريا المقسّمة العائدة إلى تاريخها، والتي قد لا تكمل مئويتها بحدودها التي عُرفت من خلالها على الخريطة منذ 1936.

حزب الشعب

 

أسس الحلبيون والحماصنة والحمويون، الشمال والوسط السني، حزب الشعب كنظير لحزب الكتلة الوطنية الذي وقع معاهدة 1936 مع فرنسا، والذي تركزت شعبيته في دمشق ومدن الجنوب السني. ترأس الحزب عبدالرحمن الشهبندر الذي اغتيل في 1940 واتهم حزب الكتلة الوطنية باستهدافه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات