تدخل الثورة السورية عامها الثالث بينما لا يزال الجدل دائراً حول الملف الكردي الذي استأثر بأكبر قدر من المبادرات والمؤتمرات لدى تيارات المعارضة، مقارنة مع الملفات الأخرى التي تندرج في بند «الأقليات».
لم يتوضح مسار الحل حتى الآن لدى أي طرف، وهذا الغموض موجود لدى كلا الطرفين المعنيين بالحل، الكردي والعربي. فالخطوط العامة التي يطرحها الأكراد بأحزابهم السياسية التي تأتلف في إطار سياسي هش (الهيئة الكردية العليا) تبدو مشوشة في طرح خريطة حل واضحة تحسم في «توطين» القضية الكردية في سوريا. وجزء من مسؤولية ذلك يعود لقادة المعارضة الذين لم يطرحوا رؤية حاسمة ونهائية تجفّف منسوب القلق المرتفع لدى الأكراد، بل إن تصريحات بعض الشخصيات المعارضة، تشكل وجبة دسمة للتيار الكردي المتشكك في نوايا الطبقة السياسية المحسوبة على الثورة.
في المقابل، هناك من يعاتب الأكراد على ما يسمونه بـ«الانتهازية» في لي ذراع المعارضة عبر طلب ضمانات، والغمز في قناة عدم التحرك العسكري ضد النظام في حال لم يقبلوا بقائمة مطالبهم. مثل هذا العتب وصل إلى قطاعات من المجتمع، وانعكس على شكل عودة لمواقف قومية كانت قد تلاشت مع بداية الثورة في مقابل صعود حاد للروح الوطنية السورية. وهنا ساهم الأكراد على مستوى ما، بغض النظر عن نيّات المعارضة، في إعادة إنتاج حالة كانوا من أولى ضحاياها، وهي خلق ردة فعل قومية عربية تجاههم. ومع العام الثاني من الثورة، عادت عبارات «الجمهورية العربية السورية» إلى التداول، كما بدأ البعض باستخدام مصطلح «الجيش العربي السوري الحر» وغيرها من العبارات المليئة بالدلالات الإقصائية. مثل هذه الظاهرة كان من الممكن أن تكون في حدها الأدنى، ومستهجنة في الوسط الثوري، لو كانت لغة الخطاب الكردي أكثر تلاقياً مع معاناة السوريين اليومية، من دون أن يعني ذلك تضحية بالحقوق.
هذه التباينات خلقت مسافة بين الممثلين السياسيين للطرفين، رغم وقوفهما على الطرف المضاد للنظام. وكنتيجة لذلك، دخلت الأذرع العسكرية للطرفين في مواجهات دامية، ترجمةّ للشكوك المتبادلة، كما في راس العين (سري كانيه) وعفرين وحي الأشرفية في حلب قبل توقيع اتفاقات وتفاهمات أوقفت القتال، لكنها أبقت على أسبابه من دون معالجة.
عدم وضوح الرؤية لدى المعارضة لا يقابله وضوح الرؤية لدى الأكراد. ويمكن الحديث عن «أطراف» كردية وليس عن طرف موحد في خطابه السياسي. فحزب الاتحاد الديمقراطي يقرأ الثورة السورية من ديناميات غير محلية، بل تكاد تكون مرتبطة كلياّ بتركيا وما تشهده من تطورات على صعيد الحل والمواجهة مع حزب العمال الكردستاني. في المقابل، غالبية الأحزاب الأخرى تقرأ الثورة السورية بمنظار الرئيس العراقي جلال طالباني أو رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني. ولكل من هذه المرجعيات رؤيتها للوضع السوري، وهناك تلاقٍ بين حزب العمّال الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني (طالباني) في عدم الاندماج في معركة إسقاط النظام عسكرياً، ولا تختلف رؤية التيار الموالي لمسعود بارزاني كثيراً عن سابقه سوى في عدم انتهاجه خطاً معادياً لتركيا ولدورها الحالي والمستقبلي في سوريا، بل والتحالف معه إذا كانت فيه مصلحة كردية. يبقى القول إنه بالرغم من الشد والجذب الحاصل بين الطرفين، إلا أن الأكراد لم يربطوا أنفسهم بمحور الأقليات، وهو أمر تدرك المعارضة السورية معانيها جيداً .