غداً الجمعة، تدخل الأزمة السورية عامها الثالث. التوقعات بخصوصه مخيفة. ما سبقه من عمر الحرب قد يهون بالمقارنة مع ما سيشهده، لو بقيت الآفاق مسدودة وفوضى الصراع على حالها الراهنة. وكل المؤشرات تعزّز الاعتقاد بأن الأمور سائرة في هذا الاتجاه. الحسم العسكري غير متاح إلا في حال تدخل أو تسليح خارجيين من العيار الكبير.
وهذا غير وارد. خاصة الأميركي منه. المعارضة ما زالت في حالة من انعدام الوزن، تعزّزها الإشارات الخارجية المرتبكة أو المتقلبة عن عمد، لزيادة إرباكها.
أو ربما لاستخدامها ورقة في مشاريع مفخخة. ثم هناك مواقف الكبار المتحكمين بمآل الوضع السوري. فهم لا ينفكون يروجون لفضائل المخرج السياسي وفي الوقت ذاته يعملون على سدّ طريقه بالشروط والتفسيرات المتضاربة لخطوط عريضة، سبق وجرى التسليم بها ولو أنها قابلة لأكثر من تأويل.
التسليح محسوم
موضوع التسليح محسوم في واشنطن. اكتفت إدارة أوباما بالتراجع فقط عن المبدأ الذي تذرعت به للعزوف عن مدّ المعارضة بالسلاح. تركت لغيرها القيام بمهمة التزويد هذه. حساباتها مختلفة. لديها أولويات أخرى في المنطقة لا ترغب في التخريب عليها.
تحاول تحقيقها ولو على حساب سوريا. ترى أن عدم التورط يخدمها إذ يفسح في المجال لزيادة غرق غيرها ممن ترغب في استنزافهم كمدخل لإجبارهم على القبول بشروطها في ملفات أهم من السوري. وبالذات النووي الإيراني.
البديل السياسي المتداول، ما إن يبرز خيط أمل باقترابه، حتى يعود اللاعبون إلى وضع العصي في الدواليب . لقاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الروسي سيرغي لافروف الأخير في برلين، أوحى بالميل إلى صفقة. لكن سرعان ما تبدد الاعتقاد في الأيام الأخيرة، من خلال التراشق بالاتهامات، بين واشنطن وموسكو.
الخارجية الأميركية تقول إن اتفاق جنيف يقول بالتغيير في رأس السلطة السورية. الناطقة الرسمية فكتوريا نولاند عادت، أول من أمس، وكررت هذا التفسير، من زاوية أن إحداث التغيير في سوريا لا يستقيم في النهاية، مع وجود الرئيس الأسد.
نظيرها الروسي، ألكسندر لوكاشيفيتش، ردّ بحدّة من باب أن مثل هذا التفسير الأحادي الجانب من شأنه تعقيد الأمور وعرقلة البحث عن مخرج عبر الحوار السياسي.
اتفاق جنيف بنظر موسكو، حدّد الصيغة وهي تحويل الصراع من عسكري إلى سياسي، عبر تأليف حكومة انتقالية عن طريق التفاوض. الرسالة: كل واحد واقف عند فهمه للحل، الممنوع على ما يبدو. وإلاّ لكان بالإمكان تجاوز هذا الإشكال خلال الحوار حول المرحلة الانتقالية. الجدّية مفقودة، وكلاهما يحاول رمي الكرة في ملعب الآخر. الحديث عن الحوار والتسوية السلمية، يخفي قراراً باستمرار النزيف.
المتاجرة بالحل
وضع المعارضة، وربما التلاعب بها، يزيد الطين بلّة. ضياعها مع تضييعها، يساهم في تعزيز خلافاتها وبالتالي في المتاجرة بخيار الحلّ السياسي. قبل يومين قرّرت وللمرة الثانية تأجيل اجتماع اسطنبول، الذي كان قد تقرّر بعد تعذّر التوافق، بعد انسحاب رئيس الحكومة المنشق رياض حجاب، على شخصية ترأس حكومة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المقاتلين.
وثمة معلومات بأن التأجيل لم يحصل نتيجة خلاف على المرشح بقدر ما كان عملية استدراك من جانب بعض قوى المعارضة التي رأت أن فكرة الحكومة هذه مفخخة؛ إذ قد تؤدي إلى وجود حكومتين يكونان حجر الزاوية لمشروع تقسيم البلد.
لكن في الوقت ذاته، ترك مناطق في الشمال على وضعها السائب من شأنه تشجيع ظاهرة الإدارات المحلية التي بدأت تفرّخ هناك، مع كل ما تفرضه من توجهات وسلوكيات تصبّ في تعزيز عوامل التفكيك. جوهر المشكلة بات في موقف الكبيرين اللذين يمارسان لعبة العض على الأصابع ... السورية.