وضعت التطورات العسكرية والأمنية في الجانب المحرر من الجولان السوري الأمم المتحدة أمام معضلة قانونية لم تكن تحسب لها أي حساب منذ توقيع اتفاقية مراقبة فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل (1974).
فالاتفاقية التي أنشئت على أساسها قوات «يوندوف» تنص على تواجد هذه القوة الدولية في منطقة منزوعة السلاح تسمى اصطلاحاً المنطقة البنفسجية، على طرفي خط الهدنة في الجولان السوري، لمراقبة تموضع القوات المسلحة على الجانبين ورصد الانتهاكات، وتغريم المنتهكين بغرامات مالية وقانونية.
ويسمح الاتفاق الذي توسطت فيه الأمم المتحدة العام 1974 لسوريا وإسرائيل بالاحتفاظ بعدد محدود من الدبابات والقوات على مسافة تبعد 20 كيلومترا عن خط وقف إطلاق النار.
من لبنان إلى الأردن
ومن أجل نجاح مهمتها، بنت هذه القوة نقاط تفتيش على مسافة 80 كيلومتراً طولاً تمتد من جبل الشيخ على الحدود مع لبنان، إلى وادي اليرموك عند الحدود السورية الاردنية، وتمنع هذه الحواجز العسكريين السوريين من الدخول إلى المنطقة البنفسجية، وتسمح فقط للمدنيين بالدخول.
ولكن الوضع الجديد الذي نشأ على الأرض منذ اندلاع الثورة السورية قبل عامين، جعل مهمة هذه القوات مستحيلة، خصوصاً وأن قوات جيش النظام السوري اقتحمت هذه المنطقة أكثر من مرة، واستخدمت أسلحة ثقيلة وآليات يحظر على الجيش السوري استخدامها في هذه المناطق خلال الأحوال العادية، وهو ما جعل الكثير من المواطنين السوريين في محافظتي درعا والقنيطرة يتساءلون عن دور الامم المتحدة في منع هذه الانتهاكات. فيما شرع الجانب الاسرائيلي في بناء جدار فاصل قرب خط الهدنة، بل وتسللت جرافات إسرائيلية إلى داخل الجانب المحرر من الجولان عند قرية بير عجم وجرفت مساحات من الأراضي، وهو ما يخالف نص الاتفاقية ويعد انتهاكاً سافراً لم تعبر الامم المتحدة حتى الآن عن موقف واضح بشأنه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالجيش السوري النظامي لم يعد متواجداً في هذه المنطقة، حسب تأكيدات مختلف المصادر المعنية، ومنها وزير الدفاع الاسرائيلي إيهود باراك، والقوات الموجودة هي كتائب متفرقة للمسلحين المنضوين تحت اسم الجيش السوري الحر، وهم يتبعون للمجالس العسكرية في محافظتي القنيطرة ودرعا، وهو ما يخل بأحد أسس الاتفاقية التي باتت مهددة بحكم الأمر الواقع.
الولاية القانونية
ويبرز أمام الامم المتحدة ومجلس الأمن خياران لا ثالث لهما في الثالث من يونيو القادم، وهو تاريخ انتهاء الولاية القانوينة لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك والتي يتم المديد لها بشكل آلي كل ستة أشهر، فإما أن يمدد مجلس الأمن لقوات «يوندوف» ويعترف بالجيش الحر كوريث للجيش السوري النظامي، وبالتالي كطرف قانوني يتعهد بالمحافظة على الالتزامات الدولية لسوريا، وإما أن يرفض التجديد، ويترك المنطقة دون رقابة، وهو ما تعارضه إسرائيل بشدة، لأن انتهاء اتفاقية فصل القوات ستُشرِّع انطلاق مقاومة مسلحة ضدها، لا أحد قادر على ضبطها أو السيطرة على الجهات المسؤولة عنها.
ونقلت إذاعة الجيش الاسرائيلي عن مصادر أمنية، قولها إنّ «المسلّحين السوريين.. هم من يسيطر على الجانب السوري من الحدود»، وأنهم بصدد طرد المراقبين الدوليين من المنطقة، ما يفتح المواجهة على مصراعيها مع اسرائيل. وأشارت المصادر إلى أن «تل أبيب قد تتخذ خطوات على الأرض لضمان أمنها في الفترة القريبة القادمة».
كما أعرب مسؤول اسرائيلي للاذاعة، طلب عدم الكشف عن اسمه، عن تخوفه من أن يؤدي احتجاز هذه العناصر الى رحيل قوات الامم المتحدة لمراقبة فك الاشتباك والذي «من شأنه أن يخلق فراغاً خطيراً في المنطقة العازلة التي تتواجد فيها بالجولان».
رسالة
ويرى المراقبون أن خطوة لواء شهداء اليرموك التابع للجيش الحر، باعتقال عناصر القوة الدولية في قرية جملة، تأتي رسالة من الجيش الحر للمجتمع الدولي بأن هذه الاتفاقية لم يعد لها أي قيمة قانونية، وأن الأمم المتحدة لابد وأن تتعامل مع القوة الموجودة على الأرض، وهي كتائب الجيش الحر، والتي بات يطالب بعضها بتوقيع اتفاق جديد لتنظيم تواجد القوة الدولية. وكانت القوات الدولية قد قلّصت عديد قواتها خلال الأشهر الأخيرة، حيث قامت بعض الدول بسحب قواتها كلياً، مثلما فعلت كل من اليابان وكرواتيا. وبحسب المصادر الإسرائيلية، فإنّ العديد الحالي لقوات «يوندوف» المتبقية في الجولان لا يتعدى ألف عنصر، وهو في انخفاض مستمر.