لأول مرّة في تاريخ تونس، باتت سدّة الحكم من نصيب أهل الجنوب، حيث يرأس الجمهورية المنصف المرزوقي المتحدر من مدينة دوز مضرب قبيلة المرازيق في منطقة الجنوب الغربي، فيما آلت رئاسة الحكومة الى علي العريض القادم من ولاية مدنين في الجنوب الشرقي. كما تحظى حركة النهضة بنسبة حضور عالية في مناطق الجنوب التونسي نظرا لانتماء رئيسها راشد الغنوشي الى مدينة الحامة من ولاية قابس (جنوب غرب)، في حين تراجعت شعبيتها بشكل كبير في بقية جهات تونس.

ومنذ إنشاء الوزارة الأولى في ظل حكم المملكة الحسينية بتونس العام 1860، تداول عليها عدد من الساسة من أبناء العاصمة الذين تعود جذورهم الى تركيا ودول القوقاز، ومن بينهم مصطفى خزندار وخيرالدين باشا ومحمد خزندار ومصطفى بن إسماعيل الى جانب شخصيات من العاصمة وأخرى من الساحل كان آخرها الحبيب بورقيبة القادم من مدينة المنستير الساحلية والذي تولى رئاسة الحكومة في 1956، تاريخ الاستقلال، قبل أن يصبح رئيساً للدولة بعد إعلان النظام الجمهوري في يوليو 1957. ومنذ 1970، أحدث بورقيبة منصب الوزير الأول لأول مرة في ظل الجمهورية، حيث تداول عليه كل من الباهي الأدغم والهادي نويرة ومحمد مزالي ورشيد صفر وزين العابدين بن علي وجميعهم ينتمون الى ولايات الساحل التونسي: سوسة والمنستير والمهدية.

«الاستعمار الساحلي»

وفي نوفمبر 1987، قاد بن علي «انقلاباً طبيّا» على بورقيبة، حيث آلت وظيفة الوزير الأول في عهده الى شخصيات من منطقة الساحل كذلك وهم: الهادي البكوش وحامد القروي ومحمد الغنوشي. وبعد ثورة الياسمين، تولّى، ولأول مرة، فؤاد المبزع المتحدر من العاصمة رئاسة الجمهورية مؤقتاً، كما تولى قريبه الباجي قايد السبسي رئاسة الحكومة الانتقالية وهو كذلك من ابناء العاصمة الذين حرموا من منصب الوزارة الأولى في عهدي بورقيبة وبن علي. وبعد انتخابات أكتوبر 2011، تولى الأمين العام لحركة النهضة الإسلامية حمادي الجبالي رئاسة الحكومة لتعود من خلاله مقاليد الحكم الى الساحل خصوصاً وأنه ينتمي الى مدينة حمام سوسة مسقط رأس الرئيس المخلوع بن علي. وعندما استقال الجبالي، خرج من يقول إنه «أعلن بذلك نهاية الاستعمار الساحلي للسلطة في تونس».

جنوب شمال

وحالياً، أصبحت رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة بين يدي أّهل الجنوب، كما تسعى حركة النهضة الى تكريس البعد المناطقي من خلال جذور قياداتها. غير أن خلافا جدّ في الحركة وبوادر انقسام باتت واضحة للعيان حول فهم الدين والدولة بين كتلة تعمل على «ترييف» السلطة، وكتلة ثانية تؤمن بمدنية الدولة وبحداثة النظرة للدين، ويتزعمها الجبالي.

مزيج حضاري

تعني منطقة الساحل التونسي فقط ولايات المهدية سوسة والمنستير التي كانت تسمى بساحل القيروان، وهي المناطق الأكثر كثافة سكانية، وتمثّل مزيجا ثقافياً وحضارياً متعدد الجذور من القبائل الهلالية والأتراك والأندلسيين والشاميين والمهاجرين الليبيين الذين يعتبر بورقيبة وبن علي والجبالي من أحفادهم. و يمثّل التداخل الثقافي بين المدينة والريف والبادية عنصر قوة لأهل الساحل. كما أن التنوع الثقافي والحضاري والانفتاح على البحر وما وراءه، رسّخ قيمة العمل وطلب العلم في المناطق الساحلية.