غادرت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، على ما ظهر من جولة وزير خارجيته جون كيري، مقولة أن المزيد من السلاح يؤدي إلى تعميق الجرح السوري وتعقيد أزمته وبالتالي لا حاجة إلى المزيد منه. عنوان طالما تمسكت به للعزوف عن تسليح المعارضة. لكن في ضوء ما صدر عن الوزير، صار هذا الخطاب من الماضي. تصريحه بأن واشنطن «دعمت جهود آخرين لتزويد المتمردين السوريين بالسلاح»، غير مسبوق على لسان مسؤول أميركي بهذا الموقع. مؤشر لانعطاف جديد. يعزّزه استطراده بالقول ان «قرار التسليح يعود للرئيس أوباما الذي لا اعتقد أنه يتخلى عن أي خيار. يترك كل خياراته على الطاولة». كلام رأى فيه المراقبون ليس فقط دعماً مكشوفاً لتزويد المعارضة بالسلاح، بعد أن ضمنت واشنطن عدم وصول العون العسكري إلى «أهل النصرة والمتطرفين»، بل رأوا فيه أيضاً بداية تلوّيح باحتمال النزول اللاحق المباشر إلى ساحة التسليح.
دواعي التغير
لكن لماذا فتح الباب مواربة والتلويح بقرار مؤجل، طالما تراجعت الإدارة عن المانع المبدئي المزعوم الذي حكم موقفها من البداية؟. عدة أسباب ودواعي. منها أن واشنطن تفضّل صيغة حلّ سياسي للأزمة السورية، انسجاماً مع خط أوباما بالنأي عن المواجهات العسكرية في الخارج، من أي نوع. عليه، أرادت الإدارة الأميركية بعث رسالة تحذير إلى النظام السوري من باب الضغط لحمله على القبول بحل سياسي تفاوضي يجمع بين شروطها وشروط موسكو. مصير الرئيس بشار الأسد، يقال بأنه ما زال موضع خلاف بين الجانبين الأميركي والروسي. لكن ثمة من يرى أن لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وكيري في برلين مؤخراً، توصل إلى توافق على العناوين العريضة لعملية الانتقال. ولعلّ وضع خيار التسليح على الطاولة، جاء ليخدم هذا التوافق.
ومن هذه الأسباب أيضاً وربما أهمها، بعث رسالة أخرى إلى طهران، بأن الورقة السورية ما عادت او لن تكون، قادرة على مساعدتها في مباحثات النووي. وهذا ما يفسّر بالدرجة الأولى، اكتفاء واشنطن في الوقت الراهن بمباركة تسليح المعارضة السورية عن طريق آخرين، علّ طهران تقرأ التحذير وتبدي المزيد من التجاوب مع ما أبداه الأميركيون في اجتماع ألماتي الأخير من «ليونة»، نالت كثير من الانتقاد من جانب المحافظين في أميركا، خاصة التخلي عن مطلب إغلاق المفاعل قرب مدينة قم. وفي هذا السياق، يرى كثيرون في واشنطن أنها كانت أيضاً رسالة إلى موسكو، بأنها إذا ساهمت في دفع طهران نحو مخرج مقبول للنووي، فعندئذ لن تقفز واشنطن إلى قطار تسليح المعارضة السورية بصورة مباشرة وفاعلة.
عض الأصابع
إنها لعبة عضّ على الأصابع متعددة اللاعبين، بشأن الأزمة السورية. تتقاطع كلها عند تفاهمات ضبابية مشتركة، لكنها زئبقية. قابلة للتحرك بأكثر من اتجاه. الغالب فيها، أن أطرافها الرئيسيين باتوا ساعين إلى منافذ سياسية. ازدادت الضغوط عليهم. أوراقهم فيها باتت شبه مستنفدة. لكن كل طرف يحاول، على قاعدة ما تبقى له من زخم، الاحتفاظ بأكبر شريحة له من الفطيرة.
والمؤلم أن سوريا باتت في ضوء ما وصلت إليه ازمتها، بين خيارين: إما تقاسم النفوذ الدولي والإقليمي على ساحتها ، بحيث تصبح ساحة للصراعات. وهذا أرحم الاحتمالات. على الأقل لأنه يبقي عليها موحدة ككيان ودولة ومجتمع ولو إلى حين. وإمـا انزلاقــها في هاوية التمزق الوطني والاجتماعي والجغرافي الذي يكثر ترجيحــه في القراءات والتوقعات الأميركيــة ، الإعلاميـة والبحثية والاستراتيجيــة شـرق أوسطيــة.