لم يكن إحكام وحدات الحماية الشعبية الكردية قبضتها على مدينة رميلان الغنية بحقول النفط في شمالي شرقي البلاد أمراً اعتيادياً لدى الكرد السوريين، بل يعتبر حدثاً هاماً للغاية لما فيه من أهمية استراتيجية قد تحدد مصير الكرد المستقبلي في البلاد، رغم أنه لم ينل حيزاً مستفيضاً من التغطية الإعلامية العربية والعالمية، والتي انكبت في تركيزها على معبر اليعربية الحدودي مع العراق.
فهذه المدينة التي يفصلها عن مدينة القاملشي ستون كيلومتراً، وتنتج قرابة مئة ألف برميل يوميا من الإنتاج النفطي، وتعتبر من بين أهم حقول النفط في البلاد، مرشحة لأن تقلب موازين القوى السياسية والعسكرية لصالح الطرف الكردي الذي فرض سيطرته عليها يوم الجمعة الماضي إثر انسحاب قوات النظام منها بمنأى عن وجود مصادمات عنيفة بين الطرفين.
تحرير سلمي
ويأتي تحرير المدينة التي تدخل في حيز المناطق ذات الغالبية الكردية مع اقتراب كتائب الجيش الحر من المدن والبلدات المجاورة، وكأن الطرف الكردي أراد عبر هذه الخطوة أن يقطع الطريق على الجيش الحر لكي لا يقدم على أي محاولة لاقتحام المدينة مدفوعاً بحجج بقاء مقرات أمنية فيها. عدا عن أن الاستراتيجية العسكرية للجانب الكردي تتركز على تحرير المناطق الكردية سلمياً من فلول قوات النظام، كي لا تعطي ذرائع ملموسة تسمح بدخول كتائب الجيش الحر الغريبة عن الحاضنة الاجتماعية إليها.
وعقب دخول وحدات الحماية الشعبية إلى المدينة أصدرت بياناً تطالب فيه بضرورة بقاء الموظفين على رأس عملهم، ريثما يتم تشكيل مجلس محلي من أهالي البلدة لتسير شؤونها، ولم يتضح بعد فيما إذا كانت عجلة إنتاج النفط ستدور بشكلها الروتيني في ضخ مصافي حمص وبانياس، أم سيتم نقل النفط عبر الصهاريج إلى مناطق نفوذ النظام والمعارضة معاً، وخصوصاً بعد أن تعطلت خطوط أنابيب النفط على خلفية الصراع الدائر بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام.
آخر رمق
لكن، كل المؤشرات تؤكد أن الجانب الكردي سيتمسك بهذه الورقة إلى آخر رمق ولن يفرط بها، حتى إن كلفه ذلك فتح جبهات قتالية مع الأطراف التي تنوي السيطرة عليها، فالمراقبون المحليون في الأساس أرجعوا أسباب القتال الذي نشب مؤخراً في رأس العين إلى مطامح بعض الأطراف داخل الجيش الحر في الوصول إلى تلك الحقول، الأمر الذي دفع الكرد إلى الدخول في حرب طاحنة مع كتاب الجيش الحر لمنع تلك الأطراف في تحقيق مآربها.
فرضيتان
لكن، وبعيداً عن المشاكل الآنية المصاحبة للسيطرة على تلك الحقول، فثمة غايات بعيد المدى قد تعزز من دور الكرد مستقبلاً في المشهد السياسي العام، وذلك على شكل فرضيتين: الأولى مرهونة بسقوط نظام الأسد، مقابل اعتلاء المعارضة العسكرية والسياسية دفة الحكم، وفي هذا السياق تتجلى أهمية تلك الحقول كورقة ضغط في تعزيز الموقف الكردي أثناء المفاوضات مع السلطة المركزية المقبلة حول مصير القضية الكردية الذي لا يزال عالقاً دون حل واضح يحقق تطلعات المكون الكردي، علماً أن البعض الأطراف الكردية لا تبدي حماسة زائدة على مسألة الورقة النفطية في تغير وجهة نظر المعارضة العربية من الحقوق الكردية المشروعة، بسب حسم المعارضة أمرها في التعاطي مع الشأن الكردي من خلال منظورها، وليس عبر الرؤية الكردية.
والفرضية الثانية تنطلق من واقعية المرحلة الراهنة المتسمة بوجد ثلاثة تيارات عسكرية تتصارع على الساحة السورية، فتلك التيارات الثلاثة تتحرك على أرضية تشمل مناطق نفوذ الجيش الحر وقوات النظام ووحدات الحماية الشعبية الكردية، وبهذه الحالة ربما يلجأ الجانب الكردي إلى استثمار النفط لتقوية موقعه الاقتصادي داخلياً، ويأخذ ورقة النفط وسيلة لتغيير موازين التحالفات بشقيها السياسي والعسكري، فضلاً عن توطيد علاقات دبلوماسية مع المجتمع الدولي على قاعدة المصالح المشتركة مستقبلاً، وبهذا قد يغدو لاعباَ رئيسياً في المشهد السوري بامتياز.
عرقلة
أثناء انتشار قوات الحماية الشعبية في مدينة الرميلان بعثت برسائل تؤكد فيها حرصها على حماية الحقول من عمليات النهب والسرقة، كونها ثروة وطنية تعود ملكيتها لكافة المكونات السورية، إلا أن هذه الإشارات المطمئنة ظاهرياً لا يتوقع تجد صدى لدى كتائب المعارضة وقوات النظام في عدم عرقلة حركة الصهاريج، بل يتوقع أن تحاول خلق حالة من عدم الاستقرار تمهيداً للسيطرة على الصهاريج التي تحمل النفط على أقل التقدير.