لم ترتق مقررات مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في العاصمة الإيطالية روما يوم الخميس الماضي إلى مستوى التطورات الداخلية في سوريا، بل جاءت في شكلها الظاهر نسخة مكررة عما سبقها من المؤتمرات. فقبل عام من الآن كان هذا النوع من التضامن ينعش الآمال ويشحذ المعنويات لدى هياكل المعارضة التي تشكلت في الخارج، أما اليوم وبعد سنتين من القتل الممنهج والتدمير الشامل، تحول المؤتمر بنظر المتابعين إلى تظاهرة دبلوماسية مملة للتضامن مع الشعب السوري، وغدا يثير الإحباط، كونه يبرز بشكل واضح مدى عجز المجتمع الدولي وارتباكه.
وكان الائتلاف الوطني المعارض الذي تراجع عن فكرة مقاطعة مؤتمر روما بعد وعود غربية برفع سقف المطالب، يُمني النفس على أقل التقدير أن يعلن المجتمعون في روما بشكل صريح عن تقصيرهم بحق المدنيين السوريين الذين قتلهم التخاذل الدولي، وليس فقط وحشية نظام الأسد. كما كان يتطلع إلى صدور بيان من قبل الأمين العام للأمم المتحدة وتؤيده فوراً مجموعة أصدقاء الشعب السوري يدين فيه الاستخدام المحرم قانونياً لأسلحة الدمار الشامل، ويعتبر الاستمرار في استخدام الصواريخ البالستية ضد الأحياء السكنية جريمة ضد الإنسانية، وضرورة مثول أصحاب القرار فيه أمام المحكمة الجنائية الدولية، والطلب من مجلس الأمن اتخاذ إجراءات لازمة لمواجهة هذه الصواريخ وتفجيرها في الجو قبل وصولها إلى هدفها لدوافع أخلاقية.
بيد أن هذه المطالب تتنافى عملياً مع التوجهات الأميركية، فجل ما تنوي إدارة أوباما القيام به هو أن ينجح الروس في جمع الأطراف المتنازعة حول الطاولة المستديرة والتوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة. وما التصريح الذي خرج من البيت الأبيض بعد يوم من انقضاء المؤتمر، بأن الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين أبديا اتفاقهما بشأن ضرورة تعزيز عملية التحول السياسي لإنهاء العنف في سوريا وبأسرع ما يمكن.
وعليه، يرى البعض أن ما جرى في مؤتمر روما في ما سمي بمؤتمر أصدقاء الشعب السوري، ما هو إلا وضع عراقيل جديدة ضد إرادة الشعب السوري للوصول إلى الحرية، وهم يحاولون تجنيد قادة المعارضة العسكرية الحرة ليضعوهم في خدمة أجندات الغرب بغرض إطالة عمر النظام وإنعاشه بطريقة مختلفة. وأن تطور المجريات على الأرض والانتصارات التي يحققها الثوار في عدة مناطق ومحاور من المدن السورية، يدفع الولايات المتحدة وشركاءها للقيام بخطوات تكتيكية عبر تقديم دعم على شاكلة «أسلحة غير فتاكة» للمعارضة بهدف كسب رضا بعض الأعضاء في المجلس العسكري الثوري في المرحلة القادمة، وهو الشرط الذي لا يتناسب مع حجم المعاناة والنقص الموجود لدى الجيش الحر في الوقت الذي يستخدم النظام الصواريخ البالستية.
فرصة جديدة
وإضافة إلى ذلك، يفسر المراقبون هنا في العاصمة دمشق، مقررات المؤتمر بأنها فرصة جديدة في مسار عملية إنعاش ما النظام نفسه، وذلك عبر إعطائه مهلة غير معلنة ولو بشكل مبطن، لعله يستطيع أن يتدارك نفسه ويتحرك بشكل يمكن أن يطيل عمره أكثر نزولاً عند الرغبة الإسرائيلية المتمثلة بدعم بقائه على قيد الحياة في الوقت الراهن.
وهذه التطورات، جعلت الثوار في الداخل يدركون أن مؤتمر روما، وما جاء قبله وما سيأتي بعده، لن يهز مواقف أوباما أو بوتين قيد شعرة، ولن يفيد الشعب السوري أساساً تصريح هذا أو ذاك مما يسمى «المجتمع الدولي» أو «أصدقاء سوريا»، في الوقت الذي يراق فيه يومياً شلال من دماء السوريين.