على ما يبدو أن موقف جبهة الإنقاذ بمصر (وهي أكبر تجمع للمعارضة)، ترسخ بصورة نهائية في استخدام سلاح أو خيار المعارضة، خاصة عقب رفضها، وبصورة رسمية، ضغوطات أميركاالضمنية من أجل العدول عن القرار، وبحث سبل المشاركة في الانتخابات "انتصاراً للديمقراطية"، حيث أكدت الجبهة على كونها لن تقبل بديمقراطية «زائفة» بأي حال من الأحوال، وأن قياداتها لن تشارك في انتخابات «من شأنها إعطاء الفرصة والشرعية للنظام الحاكم المختلف عليه الآن».

ومن ثم، فإن مصر تخطو بخطى ثابتة نحو ثاني برلمان إسلامي، أو «إخواني»، إن صح التعبير، عقب البرلمان السابق الذي تم حله، وكانت الأغلبية فيه من نصيب فصائل الإسلام السياسي، بقيادة حزب الحرية والعدالة (الجناح السياسي للإخوان المسلمين)، وبعده حزب النور السلفي (الجناح السياسي لجماعة الدعوة السلفية)، في وقت استنزفت القوى المعارضة أبرز وسائلها المختلفة للتصدي للنظام الحاكم من خلال خيار المقاطعة التي تراهن عليه لإسقاط شرعية البرلمان المقبل ضمنياً، ورفع الغطاء السياسي عن الإخوان المسلمين، في محاولة لسحب البساط منها بصورة تدريجية. وبهذا، فإن الإخوان المسلمين وغريمهم السياسي حالياً (جبهة الإنقاذ) بين رهانين. فالإخوان يراهنون على شعبيتهم التي تتآكل، وعلى عامل الدين، من خلال خطاب مكونه في المجمل ديني، لكسب أرضية في المشهد السياسي، في وقت يؤكدون قلة حيلة المعارضة، وانعدام آلياتها وأدواتها، في ظل رغبة الشارع المصري في الاستقرار، عقب شهور طويلة من الفوضى التي أعقبت ثورة 25 يناير.

وفي المقابل، فإن جبهة الإنقاذ (والتي بدت وكأنها الممثل الأوحد للمعارضة الآن)، تراهن أيضاً على الشارع الذي قد يدفعه «كُفره» بنظام الإخوان المسلمين، إلى الانضمام لدعاوى المقاطعة، تمهيداً للخيار الأقوى والأخطر في هذا الصدد، وهو «العصيان المدني» في سباق النفس الأطول، أو اختبار شرعيات وشعبية قوي بين الطرفين.

ويؤكد مراقبون أن المرحلة المقبلة في مصر «فاصلة». فإما أن تكتب شهادة ميلاد جديدة للإخوان المسلمين، وبالتبعية تكتب شهادة وفاة لقيادات جبهة الإنقاذ، وترك الساحة أمام المعارضة البديلة، أو المعارضة التي تعمل في الظل الآن، وبعضها من داخل الفصائل الإسلامية نفسها، مثل أحزاب: النور والوسط ومصر القوية، أو أن تحسم الجبهة والأحزاب الليبرالية الجولة بفوز يعتبره مراقبون مستحقاً لصالحها، تترك به وصمة عار على جبين النظام «المؤخون»، وتدفعه نحو كتابة أولى حلقات سقوطه، لتدخل مصر في صراع «البحث عن البديل المناسب». ويؤكد الناشط السياسي البارز في جبهة الإنقاذ عبد الغفار شكر، على إيمانه الكامل بنجاح مبادرة الجبهة في الدعوة للمقاطعة، مشدداً على أن «الشارع المصري وكثير من أطيافه، سوف يتضامنون مع تلك الدعوة، وخاصة في ظل فشل الإخوان المسلمين في تحقيق أهداف الثورة، وظهور ملامح سلبية قوية للرئيس محمد مرسي، فضلاً عن مساعي الجماعة للتمكين، في محاولة منها لتكرار نفس خطى واستراتيجيات نظام الرئيس السابق حسني مبارك، وهو ما ترفضه القوى السياسية والثورية». ويلفت شكر إلى أنه «تولد لدى المواطن المصري الوعي الكامل بشأن العملية الانتخابية، حيث لن يتم تضليله مرة أخرى بشعارات زائفة، أو استغلاله من خلال انتخابات تُجمّل وجه الإخوان المسلمين والنظام الحاكم».