رغم أن المصريين هتفوا ضد القوات المسلحة طيلة الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25 يناير، إلا أنهم لم يجدوا بداً، عقب صعود الإخوان المسلمين لسدة الحكم ووضوح آليات إداراتها للمشهد المصري، من الاستنجاد وطلب العون من العسكر أنفسهم، كبديل جاهز وقوي يلقي المصريون عليه أعباءهم في محاولة لتطبيق دراسات أميركية سابقة أكدت أن البديل لحكم الإخوان قد يكون مرحلة انتقالية بقيادة العسكر مُجدداً.

وفي ظل تقزم دور المعارضة السياسي واكتفائها بإصدار البيانات الملتهبة والدعوة لتنظيم التظاهرات المليونية فضلاً عن انشقاقاتها المختلفة وتقلص شعبية كثير من قيادتها الذين نالتهم سهام النقد والتشويه خلال المرحلة الأخيرة لتتضاءل وتتآكل شعبيتهم، بات المصريون أمام خيارين إما الرضوخ والسمع والطاعة لـ«حكم الإخوان» أو مرحلة انتقالية بقيادة العسكر، طالب بها الكثيرون خلال المرحلة الأخيرة وقبيل انتخابات مجلس النواب، إذ شهدت القاهرة جملة من التظاهرات الداعمة للجيش والمستنجدة به أيضاً.

خياران اثنان

ويؤكد مراقبون أن الخيارين اللذين وقع الشارع المصري فيهما الآن «يؤكدان أن ثورة 25 يناير تسير في طريق خاطئ، فإما أن تعود لحقبة الحكم العسكري وأنظمة ثورة يوليو وإما الرضوخ لنظام الإخوان المسلمين الذي اعتبره كثير من المراقبين نظاماً أشد غلظة من سابقه»، واصفين إياه بـ«الفاشية» وليس «الديكتاتورية»، حيث لم يحقق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهي المطالب التي نادت بها ثورة يناير، في وقت يؤكد بعض المراقبين أن الاستعانة بالقوات المسلحة «شر لابد منه».

مراحل فاصلة

ومنذ تولي الرئيس محمد مُرسي (سليل الإخوان المسلمين) لحكم مصر، شهدت العلاقة بين القوات المسلحة ومؤسسة الرئاسة مراحل فاصلة عدة، أولها قرارات مُرسي بإحالة قيادات عسكرية للتقاعد عقب حادث رفح المسلح في شهر رمضان الماضي، وأبرزهم المشير حسين طنطاوي (وزير الدفاع السابق). ثم تصريحات ضد القوات المسلحة أطلقها عدد من قيادات الإخوان أحدثت غضباً عارماً داخل صفوف الجيش وكشفت عن حقيقة رفض كثيرين من أبناء القوات المسلحة لحكم الإخوان. تلتها حلقة جديدة من حلقات الصدام تلخصت في تصريحات مرشد الإخوان المسلمين المنتقدة لقيادات عسكرية، ليخرج بعدها الجيش عن صمته ويقرر قطع الطريق لخطط تمليك سيناء لأهالي غزة، فيصدر وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي أوامره بعدم تملك الأجانب لأراضٍ في سيناء، ثم يقرر إغلاق الأنفاق.

عامل مشترك

والمحلل لتصريحات مرسي وقيادات حزب الحرية والعدالة (الجناح السياسي للإخوان المسلمين) خلال الفترة الأخيرة، يجد عاملاً مشتركاً فيها جميعاً هو ثناؤهم على دور القوات المسلحة وتأكيدهم عدم وجود خلاف بين الطرفين والاحترام المتبادل بينهما، وهو ما يعكس، وفق ما يؤكده مراقبون، حالة الخوف التي تنتاب الإخوان من كون صبر القوات المسلحة بدأ ينفد في إطار ما تشهده مصر من تطورات وأحداث جسيمة، في وقت فشل مرسي في احتواء الجيش، كما احتوى بنسبة ما وزارة الداخلية وعدد من قياداتها.

تحذيرات

حذر مراقبون من إمكانية أن تشهد مصر «حرباً أهلية» في ظل تطاحن القوى السياسية والثورية المختلفة والمؤسسات الرئيسية، وتزامناً مع العلاقة التي أوشكت على الفساد بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تشهدها مصر بعد تراجع التصنيف الائتماني.