خلف الصراع العسكري في سوريا جيشا من العاطلين عن العمل جراء تدهور البنية التحتية وشل حركة القطاعات العاملة. ولأن الثورة تتحرك بفعل مقدراتها الذاتية، خرجت من رحمها مهن وأعمال جديدة تدر على العاملين قوتهم اليومي، حيث شكلت المناطق المتحررة من قوات النظام حقلاً خصباً تدار فيه هذه الأعمال.
وسارعت مجموعة من الأفراد، الذين توقفت أعمالهم الاعتيادية، إلى استغلال خردوات الحرب الدائرة بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام في المناطق الساخنة، خصوصاً في ريف إدلب الجنوبي القريب من ريف حماه الشمالي، فضلاً عن ريف حلب.
ويعتبر راشد، المتحدر من ريف إدلب، واحدا من هؤلاء، حيث كان يعمل مدرساً لمادة الرياضيات، قبل أن يغير مهنته، ليجد ضالته في تجارة مخلفات الحرب رغم خطورتها. ويقول: «نحاول تتبع مخلفات الحرب بعد توقف التوتر الأمني وحدّة القتال تجنباً للخطر، حيث نجمع فوارغ الرصاص وقذائف الأسلحة المعطلة وحطام الدبابات والطائرات والآليات العسكرية الأخرى، حيث تخصص البعض في تفكيك المخلفات، وبيعها كخردوات».
ويقول راشد أن كيلو فوارغ الرصاص، وهي من معدن النحاس الخالص، يباع بـ80 دولارا، حيث تذهب إلى المصانع التابعة للجيش الحر لإعادة تصنيعها محلياَ.
مشتقات النفط
ولا يعتبر جمع مخلفات الحرب المهنة الوحيدة السائدة بين القاطنين. ففي مدينة الباب الواقعة في ريف حلب الشرقي، يتزاحم الباعة الجوالة على زوايا المفارق والشوارع الرئيسية والفرعية في بيع المشتقات النفطية مع نضوب المخصصات التي كانت ترسلها قوات النظام للمحطات الديزل.
ويقول عماد، الذي تفرغ لهذا العمل بعد توقف وظيفته في القطاع المصرفي: «منذ أن تحررت الباب، عاقب النظام الموظفين بوقف إرسال مستحقاتهم اليومية بذريعة وقوع المدينة بيد الجيش الحر. أردنا من خلال بيع الديزل التي يأتي من الحقول الشرقية سد احتياجات الأسرة».
وينتشر بيع النفط على يد الباعة الجوالين في معظم المناطق التي تعاني من شح المواد النفطية في شمال شرقي سوريا.
المواد الاستهلاكية
وراح البعض من الذين يعيشون على الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا يعملون في تجارة المواد الاستهلاكية بين البلدين إثر توقف توريد المواد الأساسية التي كانت تأتي من المحافظات السورية إلى أسواق المدن المتحررة. ويشكل معبر باب الهوى وتل الأبيض أبرز منافذ هذه التجارة. كما أن هناك نقاط حدودية مهربة وسط حقول من الألغام. ويقول صالح، وهو مواطن سوري يتحدر من مدينة كوباني ويعمل في مجال بيع أجهزة الكمبيوترات والهواتف النقالة: «نأخذ من الممرات المهربة منفذاً لنا، لأن حرس الحدود قد يصادر المواد التقنية التي نتاجر بها، وأحيانا يساعدنا مرشد من تركيا سراً لتفادي الدوريات المنتشرة بكثافة على الحدود».
أما نجم الدين، الذي يقطن في مدينة جرابلس الحدودية، فيعمل في نقل الخضراوات بين البلدين بعد أن تعطلت مهنته الحدادة بسبب غلاء الحديد ونفاده من الأسواق. ويقول: «نستورد يومياً من تركيا ما هو منعدم حالياً في الأسواق، كما ننقل بدورنا احتياجات الأسواق التركية، رغم أن البضاعة التركية، بكل أصنافها، غالية جداً»