يُدلي الناخبون الإيطاليون اليوم وغداً بأصواتهم لانتخاب ما يربو على ألف نائب وسيناتور في البرلمان الجديد، الذي يولد على إنقاض انقسام حاد في المجتمع الإيطالي، ووأدٍ كامل لمنطق ثنائية القطبين، يسار الوسط ويمين الوسط، وفي ظل بروز قوى جديدة وغامضة الملامح يمكن أن تحتل ما يربو على ربع مقاعد البرلمان، مثل حركة «خمس نجوم» التي يتزعّمها الكوميدي السابق بيبّي غريلّو، وحركة «وقف الانهيار»، التي أسسها وتزعمها حتى الأول من أمس الصحافي أوسكار جانّينو، الذي اضطُرّ إلى الاستقالة من زعامة الحركة لافتضاح انتحاله شهادة ماجستير من جامعة شيكاغو، وبدل أن تتحوّل القضية إلى كبوة قاتلة للمجموعة، جاءت استقالة جانّينو لتمنحها دفقاً جديداً دالاً على جدّية ما يرمي إليه قادة هذه الحركة الليبرالية والقريبة على أوساط الحزب الجمهوري السابق، في إحداث تغيير في المسار السياسي لإيطاليا الملطّخ بالفساد وكذب الوعود المقطوعة على الناخبين قُبيل التصويت، والمنسية لمجرّد ولوج بوّابة البرلمان. وفيما يظلّ الصراع حتى الآن بين زعيم الحزب الديموقراطي بيير لويجي بيرساني ورئيس الحكومة السابق، وزعيم تيار يمين الوسط، سيلفيو بيرلسكوني، فإن مشهد البرلمان المقبل، وبالذات في مجلس الشيوخ وحيث لا وجود لما يُسمّى بـ «جائزة الأغلبية» التي تمنح الحزب الأول فارقاً بمائة مقعد، يبدو مؤشراً واضحاً على استحالة تشكيل حكومة صلدة أو استمرار البرلمان الجديد لفترة السنوات الخمس المقبلة، إذ بات من المؤكد استحالة حصول أي من القوى الست الأساسية المتنافسة على ما يؤهلها، 50 + 1 في مجلس الشيوخ، لتشكيل الحكومة، ولا بد من ائتلافات حكومية، ستكون مهمّتها العبور بالبلاد في الشهور المقبلة، وانتخاب رئيس الجمهورية الجديد في يونيو المقبل، والعودة إلى صناديق التصويت في الخريف المقبل.
وكي يحافظ كل فريق على مساحة تأثيره الأساسي، أحجم جميع القادة عن الوعد بأي تحالف حكومي لاحق. وبرغم القناعة المطلقة باستحالة تشكيل أي من الفرق حكومة لوحده، فقد سعى كل فريق، إلى التصريح، أو الصراخ، كما هو حال الكوميدي بيبّي غريلّو، بأن لا تحالفات مع أي فريق آخر، لا بل عاود غريلّو مساء أول من أمس صرخته المعتادة بوجه السياسيين الإيطاليين في ساحة القدّيس يوحنّا بروما المكتّظة عن بكرة أبيها بمناصريه أن «استسلموا واخرجوا رافعين أذرعكم، فأنتم محاصرون من كل مكان»، وختم مع ترديد الساحة معه «لنطرد الجميع ونُعيدهم إلى منازلهم ولنستعد منهم ما سرقوا خلال السنوات العشرين الأخيرة».
وستشكّل حركة غريلّو الاحتجاجية هذه الغموض الأكبر في البرلمان المقبل، إذ تتوقّع استطلاعات الرأي حصولها على ما يربو من مئة نائب وأربعين سينتوراً، سيسعون إلى عرقلة العمل البرلماني وتعطيل الحياة النيابية لإجبار الأحزاب الأخرى، إمّا إلى الرضوخ إلى منطقها، أو العودة إلى التصويت من جديد. ولم تعد كافية التحذيرات التي أطلقها قادة جميع الأطراف الأخرى من التأثيرات السلبية لهذا «التسونامي السياسي»، كما أسمى غريلّو حركته، فإن مشهد ساحة القديس يوحنّا في روما الليلة قبل الماضية، نذير بكون هذه الحركة «تسونامي» حقيقياً قد يجرف السابق، لكن ليس بالضرورة سيؤشر لمستقبل أكثر استقراراً!