في بلد مثل سوريا يفتخر بقلاع مذهلة تعود إلى عصور الحملات الصليبية وأطلال رومانية وتاريخ يعود إلى الإمبراطوريات العظمى في الشرق الأوسط وحتى فجر الحضارة الإنسانية، تصبح مهمة حماية هذا التراث من الصراع الدائر البلاد منذ نحو عامين مسؤولية مضنية. وتركت العديد من الحضارات التي تعود إلى العصر البرونزي بصمتها على سوريا بما في ذلك حضارة بابل وآشور وحضارة الحثيين. وحل محلها الاغريق والساسانيون والفرس والروم والعرب. كما ترك الغزاة الأوروبيون في الحملات الصليبية قلاعا مذهلة وخلفت الإمبراطورية العثمانية بصمتها على مدى خمسة قرون.

وما زال واحدا من أقدم أشكال التراث الثقافي في العالم معرضا للخطر. والتهمت النيران أسواق حلب المغطاة القديمة التي تعود للقرون الوسطى واندلعت حرائق أيضا في المسجد الأموي بالمدينة بفعل قصف قوات النظام. كما أن عمليات التنقيب غير القانونية هددت قبورا في بلدة تدمر الصحراوية وموقع إبلا الأثري الذي يعود للعصر البرونزي، في حين تبحث الشرطة الدولية «الانتربول» عن تمثال عمره 2700 عام سرق في مدينة حماة. وتقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» إنها قلقة على مصير ستة من المواقع المدرجة في قوائم التراث العالمي منها المدينة القديمة في كل من دمشق وحلب وبصرى وقلعة الحصن الشهيرة. وأصبح الكثير من تلك المواقع ساحة معارك بين مقاتلي المعارضة والقوات الحكومية التي تقصف بدون تمييز.

ويقول المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا مأمون عبد الكريم إنه «تم افراغ المتاحف السورية من آلاف من الكنوز الاثرية لحمايتها من النهب والعنف». وقال عبد الكريم إن «أهم القطع الأثرية التي فقدت منذ نشوب الصراع تمثال مذهب من البرونز يعود إلى نحو ألفي عام سرق من مدينة حماة وأدرج قبل عام في قائمة الشرطة الدولية كأكثر القطع الفنية المطلوب العثور عليها، فضلاً عن قطعة من المرمر سرقت من حديقة متحف افاميا». لكن قطعا أثرية لا تقدر بثمن في بلدة معرة النعمان بشمال البلاد انقذت عندما حمى السكان المحليون لوحات الفسيفساء الشهيرة في متحف البلدة خلال اشتباكات عنيفة. وافاد عبد الكريم ان في حماة «حمى الشبان تماثيل رومانية وبيزنطية في المتحف من اللصوص إلى حين نقلها إلى مكان آمن»، مضيفا أنهم «أغلقوا أبواب المتحف وتمكنوا من حمايته من كارثة». وتابع أنه في شمال شرقي سوريا تمكنت جماعات كردية مسلحة، سيطرت على المنطقة، من حماية مواقع أثرية رئيسية في تل موزان قرب القامشلي. وقال عبد الكريم إنه في جنوب سوريا «تسبب قصف القوات الحكومية في إلحاق أضرار ببعض المنازل القديمة لكن لم تلحق أضرار بآثار بصرى التي تحتوي على أحد أفضل المسارح الرومانية الذي ما زال يحتفظ بحالته».