لم تحمل الساعات الـ 48 الماضية في لبنان ما ينبئ بتحقيق إنفراج ما في جدار التأزّم السياسي السميك غداة إقرار المشروع الأرثوذكسي في اللجان النيابية المشتركة يوم الثلاثاء الماضي.. إذ ظلّت عاصفة المشروع الأرثوذكسي نجم الساحة السياسية ومحور الحركة السياسية المفتوحة على مصراعيها في محاولة للتوصل إلى قانون توافقي.

وفيما لا يزال موضوع الانتخابات النيابية الشغل الشاغل للبنانيين، على رغم اقتناع معظمهم بأن الاستحقاق صار في حكم المؤجل، إلا أن هذا الاقتناع لم يحدّ من الاتصالات والمشاورات التي تبدو متسارعة لالتقاط فرصة اللحظة الأخيرة. علماً أن النقاشات المفتوحة حول القانون الانتخابي لا تزال تفرض الاستمهال في عقد جلسة للمجلس النيابي، فالاتصالات لم تتوقف ورئيس المجلس نبيه بري لم يرسم بعد سقفاً محدّداً للمشاورات أو لموعد الجلسة، إذ أشارت مصادره لـ «البيان» إلى أن «باب التواصل للتفاهم مفتوح، وعلى من يدّعي إظهار البينة المبادرة عملياً وإيجابياً، فالكرة في ملعبه»، لافتة إلى أن الرئيس بري لا يزال مقتنعاً بأن المشروع المختلط الذي أقترحه، والذي يزاوج بين النظامين الأكثري والنسبي، هو «الحلّ الأمثل».

وفي ظل سباق محموم بين موعد إنجاز القانون والاستحقاق المرتقب، زادت الأسئلة حول مصير الانتخابات وموعد إجرائها، إذ تكاد الطبقة السياسية، معارضة وموالاة، تُجمع على أن الانتخابات النيابية باتت في حكم المؤجلة، حتى أن من يزايدون باللجوء الى المجلس الدستوري للطعن، في أي احتمال بالتمديد لمجلس النواب، باتوا مقتنعين بأن التمديد حصل وأن الطعن لن يؤدي الى أية نتيجة ما دامت الانتخابات ستصبح في خبر كان.. فيما الوقت يضيع والمهل الدستورية تنفد، ولم يتبقَّ منها سوى أيام قليلة تفصل عن موعد دعوة الهيئات الناخبة في النصف الأول من مارس المقبل.

3 مبرّرات

واستناداً إلى مصادر مواكبة للمشاورات الجارية، فإن كل المعطيات تصبّ في خانة الإرجاء الحتمي للاستحقاق الإنتخابي، وذلك تحت واحدة من ثلاثة مبرّرات: تعذّر الوصول إلى قانون انتخابي جدي، التمديد التقني إذا ما تمّ التوصل إلى توافق على قانون، بالإضافة إلى أنه، وفي حال البقاء على قانون الـ 1960، فلا انتخابات طالما أن هيئة الإشراف على الحملة الإنتخابية لم تُشكّل.

وكان رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون بشّر بالفراغ في 20 يونيو المقبل، موعد نهاية ولاية المجلس النيابي الحالي، لكنه سارع إلى طرح ما أسماه «حلّاً»، بأن لا تمديد للمجلس النيابي الحالي وأن الحكومة الحالية بإمكانها ان تصبح هيئة تشريعية أيضاً تقوم بدور المجلس وتجمع في يدها سلطتَي التشريع والتنفيذ، وفقاً لاجتهاد دستوري فرنسي.. في وقت حذّرت مراجع دستورية من مجرد التفكير بهذا المنحى لأن الوضع في هذه الحالة لا يتعدّى أن يكون انقلاباً على الدستور وعلى الميثاق، فضلاً عن أن تحوّل الحكومة إلى هيئة تأسيسيّة لا يمكن أن يحصل إلا من خلال مؤتمر وطني أو تفاهم وطني واسع.

معادلة الـ 60

وباختصار، فإن المشهد الداخلي لا يزال يتحرك على إيقاع معادلة أن قانون الستين يعادل اقتراح اللقاء الأرثوذكسي (إذا قدِّر له أن يعبر الهيئة العامة لمجلس النواب)، والإثنان موضع انقسام سياسي وطائفي، وبالتالي فإن إجراء الانتخابات على أساس أي منهما أمر مستحيل حصوله، في ظل التركيبة اللبنانية الراهنة التي لا تحتمل أي إخلال أو شعور أي من مكوّناتها الطائفية بالاستهداف أو الغبن. وفي المقابل، يحوط بجهود تعويم اقتراح قانون مختلط، يزاوج بين التصويتين النسبي والأكثري غموض لا يجعل من السهولة بمكان الإتفاق على صيغة بديلة.

وخلال تغريدة على موقع تويتر، أمس، أكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن «المشروع الأرثوذكسي للانتخابات النيابية لا يمكن أن يمرّ، لأنه يخالف جوهر وجود لبنان وروحية العيش المشترك»، مضيفاً القول: «علينا التفكير في كيفية تحقيق التمثيل الحقيقي لجميع الطوائف اللبنانية، ولكن عبر قانون انتخابي لا يضرب في الصميم عيشنا الواحد».

شبح 1989

وبناءً على هذا الواقع، بدأت تدور في الكواليس السياسية مخاوف من أن تكون البلاد أمام سيناريو شبيه بسيناريو 1989، الذي انتهى بحكومتين، إحداها عسكرية ترأسها النائب ميشال عون مع ضابطين آخرين، ومارست صلاحيات تشريعية، بعدما حلّت مجلس النواب، والذي عاد والتأم في الطائف وانتخب رئيساً للجمهورية وعدّل الدستور وانبثقت عنه حكومة أشرفت على أول انتخابات نيابية في العام