نعم .. لم تنته الحكاية بعد أن بدأت قبل 5 عقود ويزيد التهمت محرقتها الملايين بشراً وموارد ضخمة قلّ نظيرها، إنّها رواية حربٍ الأطوال في التاريخ طوى صفحتها اتفاق سلام شامل حقّق ما كان بالأمس مستحيلاً وأضحى أخيراً السلام في السودان واقعاً معاشاً بفضل اتفاق ضاحية المنتجع الكيني الشهير «نيفاشا» الذي عبّد الطريق لميلاد دولة جنوب السودان وانفصال القطر شطرين، مبقياً على قنابل موقوتة تتفجّر كل حين، فيما لم تفلح محاولات الجيران الأفارقة ووعيد المجتمع الدولي في خلق السلام المأمول بين «الإخوة الأعداء».
منذ الانفصال في العام 2011 ظلّ التوتّر سيد الموقف بين الخرطوم وجارتها جوبا ما بين نزاعات حدودية لا تتوقف واتهامات متبادلة بدعم كل طرف أعداء الطرف الآخر، وقطيعة موارد ملخصّها وقف تصدير نفط الجنوب عبر موانئ الشمال، أمرٌ أورد اقتصاد البلدين موارد التهلكة بزيادته نسبة التضخّم في البلدين إلى نسب غير مسبوقة.
بلا جدوى
جولة تلو الأخرى تفشل محادثات السودانين برعاية إفريقية في إنهاء الأزمة وتطبيع العلاقات، إذ تبدو شواطئ الوئام بعيدة دونها كتل قضايا على رأسها ما أغفلته «نيفاشا» من قضية الحدود ومصير منطقة أبيي العقبة الكؤود، والميل 14 والنفط فضلاً عن انعدام ثقة عمره أكثر من 6 عقود.
تشابك قضايا
يبدو أنّ تحقيق السلام بين شطري السودان وفق ما تقول القراءات مرتبط حد التلاحم التام مع قضايا أخرى داخل البلدين، إذ تظل الأزمة الناشبة في منطقتي كردفان وجنوب النيل الأزرق السودانيتين وثيقة الصلة بصراع البلدين إذا ما علم الرابط الوثيق بين مقاتلي الحكومة السودانية في المنطقتين من منتسبي قطاع الشمال في الحركة الشعبية الذين هم جزء لا يتجزأ من جيش جنوب السودان، أمرٌ دعا الخرطوم إلى اشتراط فك جوبا ارتباطها بقطاع الشمال كأولى خطوات نزع فتيل التوتّر، فضلاً عن اتهامات شمالية للجنوب بدعم متمردي إقليم دارفور.
على الضفة الأخرى بواعث التوتّر متوفّرة، إذ تتهم جوبا الخرطوم بدعم مليشيات مسلّحة في جنوب السودان والمناوئة للحكومة المركزية، وقصف مناطق حدودية بين الفينة والأخرى.
رهانات نظامين
يراهن الطرفان على ما يرى مراقبون على قصر نفس الطرف الآخر، ففيما يرى السودان أنّ حرمان الجنوب فترة أطول من عائدات النفط عبر وقف تصديره عبر موانئه من شأنه خلق حالة من التوتّر والقلاقل في الدولة الوليدة بما يؤدي ربما إلى ثورة شعبية تطيح بالحركة الشعبية بقيادة سلفاكير من سدة الحكم، فيما ترى جوبا أنّ ضائقة الاقتصاد في السودان فضلاً عن الحروب المشتعلة في ثلاث جهات من شأنها إسقاط نظام البشير.
ولعل احتمالات التوافق بين حكومتي البلدين تبدو عن الواقع أبعد في ظل علاقات قاسمها التأزّم، حتى وإن جاء محمولاً على اكتاف وعيد العقوبات الدولية التي اعتاد السودان على التكيّف معها، ما يجعل رحيل أحد النظامين فيما لو حدث المخرج الأوحد لعلاقات «غير ذات توتّر» كما يرى مراقبون.