جرى التقليد أن يستهل وزير الخارجية الأميركي الجديد تجربته بخطاب شامل، يرسم فيه العناوين الرئيسية لسياسة الإدارة في حقل عمله. يكون ذلك بالتوافق مع البيت الأبيض، باعتباره مطبخ القرار الخارجي الذي يملك فيه الرئيس الكلمة الفصل. وعادة، تأخذ هذه المناسبة أهمية خاصة، كونها بداية يفترض أن يكون لديها جديدها. حتى ولو كان لا يتعدّى التوضيح أو البلورة المنقحة للسياسة المعروفة خطوطها العريضة منذ الولاية الأولى، في حال كان الرئيس قد فاز بالتجديد. لذلك، يجري الإعداد لها بعناية، من حيث المكان والتوقيت، لما يحملانه من رمزية، ولما يحتويه الخطاب من إشارات ورسائل موزعة في أكثر من اتجاه.

لم يخرج خطاب الوزير الجديد جون كيري، أول من أمس، عن هذا الإطار، من حيث شموليته وعموميته. وربما بالغ في ذلك. نأى كلياً عن الملفات المأزومة، ما عدا مروراً عابراً من كلمتين على النووي الإيراني. الباقي غاب ذكره عن حديثه. متروك للزيارة. اكتفى في كلمته بالتركيز على المنطلقات التي تزمع الإدارة اعتمادها في التعامل مع الساحة الدولية. وضمناً، أزماتها المشتعلة. خصوصاً في الشرق الأوسط. وتعكس التصورات التي طرحها مقاربة إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الخارجية. لكن، هذه المرة بأوضح مما كانت عليه مع الوزيرة هيلاري كلينتون في الرئاسة الأولى. الأولوية الآن «لنشر جيش الدبلوماسية في العالم، كبديل أقل كلفة بكثير من نشر جيش قواتنا المسلحة غداً»، على ما قال في خطابه. جملة استوقفت المراقبين، لما تشي به من أن الإدارة حسمت باعتماد هذا الخط في الأعوام الأربع المقبلة، إزاء قضايا، لم تكن موضع إجماع آنذاك. وبالذات، الموقف من الأزمة السورية، والتي تكشّف أن الرئيس أوباما عارض أركان إدارته ورفض دعوتهم لتسليح المعارضة السورية. كما كان هناك اختلاف في وجهات النظر حول ملفات أخرى، منها كيفية التعاطي مع الصين وروسيا. ما كان ينعكس على صورة ارتباك وغموض في الموقف بين الفينة والأخرى. وتشير تعيينات في مواقع الصف الثاني في وزارة الخارجية إلى أن البيت الأبيض بات يشرف، ليس فقط على صياغة السياسة الخارجية، بل حتى على إدارتها مباشرة، كما على كامل الفريق الدبلوماسي وخطابه وآلياته. حتى الناطقة الرسمية في الوزارة جرى استبدالها بمديرة الإعلام في حملة أوباما الانتخابية.

على هذه الخلفية، يغادر الوزير كيري بعد غد الأحد، في جولته الخارجية الأولى، عشرة أيام؛ تبدأ في أوروبا وتنتهي في أربع دول عربية، ولقاء مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل العربي، في القاهرة. استثناء تل أبيب ورام الله ليس فقط بسبب انهماك إسرائيل بتشكيل حكومة جديدة، كما علّلت الإدارة، ولا لأن الرئيس سيخصهما بزيارة بعد شهر، بل لأنه ليس لهذا الملف طابع العجلة في حسابات واشنطن الراهنة.

في جعبة الوزير، حسب معظم التقديرات، ملفان أساسيان: إيران وسوريا. يحمل الأول بخصوصه شروحات حول ما تتوخى واشنطن من اجتماع كازاخستان حول النووي، والذي ينعقد بعد يومين من بدء الجولة. وربما يكون قد انتهى مع وصول الوزير إلى المنطقة. وإذ يسود تحفظ بشأن حصول أي اختراق في هذا الخصوص، فإن هناك أوساطاً لا تستبعد حصول «فتحة»، وإن مواربة، تصلح للبناء عليها. خصوصاً وأن الاعتقاد السائد لدى الخبراء والعارفين في واشنطن بأن الوقت لا يزال يتسع لمواصلة التفاوض، إذا ما انفتحت طريقه نحو مخرج مقبول؛ قد تنحاز إليه طهران، من باب إدراكها أن عملية حرق الوقت استنفدت طاقاتها. خصوصاً إذا ما جرى «تحفيزها بإبداء ليونة» حيال الاعتبارات الإيرانية، كما يقول توماس بيكيرينغ، الدبلوماسي المخضرم والباحث في مؤسسة بروكنغز للدراسات في واشنطن.

الملف السوري

سبق للوزير كيري وتحدث عن «أشياء يمكن عملها، ومن شأنها حمل الرئيس السوري بشار الأسد على تغيير حساباته»، ما قصده تسوية سياسية. مهمته في المنطقة حشد الدعم لها، لإخراجها عبر الأمم المتحدة؛ على أن يكون للمنطقة، ممثلة بجامعة الدول العربية، دورها القيادي في هذا المجال، على غرار ما كان في ليبيا، لكن، هذه المرة غير عسكري مباشر، بل ربما بشكل قوات حفظ سلام في سوريا، لو جرى تمرير القرار الدولي. ولا يخفي الأميركيون أن نجاح أي توجه من هذا النوع يتوقف أساساً على تعاون موسكو المشروط.