مطلع الشهر الجاري، سال دم الجيش اللبناني في بلدة عرسال البقاعية، حيث سقط عسكريان وجرح عدد آخر، في حادثة انطوت على الكثير من الالتباس، ما طرح أمام الدولة بكل مؤسّساتها، وأمام كل القوى السياسية من دون استثناء، العديد من التساؤلات بشأن الأسباب والدوافع والخلفيات وتحديد المسؤوليات والمسبّبين في تفاقم التحريض على الجيش ورفع المتاريس في وجهه وتصويره كأنه في مواجهة مع أهله، وتصوير تلك البلدة البقاعية كأنها بقعة في كوكب آخر محظورة على المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها العشرات من أبنائها.
ومن هنا، فإن عرسال، التي كانت خزاناً من المناضلين التقدميّين والتي كانت حصن أمان للسوريين ومخفراً أمامياً لأمنهم بسبب التداخل في الأراضي وتشابك الأنساب مع جيرانهم على الجهة الأخرى من خط الحدود الذي يتعرّج مع الهضاب والتلال والأملاك المختلطة، تحوّلت بفعل الأزمة السورية إلى «خطّ نار». وهكذا، كان حتمياً أن ينتشر الحريق في محيطها، وأن يؤثر الوافدون إليها، مثقلين بعدّة الحرب، على مناخها المأزوم أصلاً خاصة مع كثرة النافخين في نار الفتنة، عبر حديث البعض عن تطييف ومذهبة الأمن.
مجاميع مسلّحة
وإذ أضاءت حادثة استهداف الجيش على مخاطر البؤر والجزر الأمنية التي نشأت على خط التماس مع الأزمة السورية، وباتت تعجّ بكل أنواع المسلحين، أشار مصدر عسكري لبناني بارز لـ«البيان» الى أن «الجيش يميّز بين غالبية أبناء عرسال المتضامنين معه وبين مجموعات مسلّحة تنامت مع تطوّر الأوضاع في سوريا وتورّطت فيها، وهي تحاول أن تفرض أمراً واقعاً وأن تضع البلدة خارج سلطة القانون»، لافتاً الى أن «هذه المجموعات نفذت حتى الآن خمسة اعتداءات على قوى الجيش في المنطقة، وتسعى الى تحقيق نوع من الأمن الذاتي في عرسال».
أما كيف يمكن تفسير ما يحصل؟، يجيب المصدر نفسه: «إنه محاولة للتغطية على المخالفات ولحماية المطلوبين، عبر إثارة هذا النوع من الشائعات وذرّ الرماد في العيون، والاستفادة من التحريض المذهبي لتأمين غطاء للنشاطات غير الشرعية التي تجري عبر الحدود، وتؤدّي الى تعريض الأمن والاستــقرار الوطني لأكبر المخاطر»، معرباً عن استهجانه لكون الخطاب السياسي لم يرقَ الى مستوى الجريمة الموصوفة، في ظلّ وجود ما أسماه «مخطط» لاختطاف بلدة عرسال الوطنية، وتحويلها الى قاعدة لانطلاق الأسلحة والمسلّحين عبر الحدود، وأن يجعلها عصيّة على الشرعية.
نموذج الضاحية
وفي السياق عينه، وفي مقابل نموذج الضاحية الجنوبية لبيروت، والذي يؤخذ عليه أنه يشكّل «دويلة ضمن الدولة»، فإن «حادثة عرسال»، معطوفة على «ظاهرة أحمد الأسير» في صيدا، تمخّضت عن قراءات عدّة، كان أبرزها الحديث عن أن القاعدة السنيّة لم تعد ترى في خطاب القيادة التقليديّة، مهما تطرّف، ما يعبّر عن تماهيها مع «الثورة السورية»، وأن هذه القيادة قادت جمهورها الى «هزائم بالجملة»، أصبح معها الخروج عن الدولة «واجباً جهادياً» لإعادة الإمرة الى يد الطائفة.
وفي جردة حساب سريعة، يجدر التذكير بأن تيار «المستقبل» لم يكن له، سابقاً، موطئ قدم في بلدة عرسال. وفي الجمهوريتين الأولى والثانية، لم تكن يوماً في الحسبان السنّي. أما محيطها السياسي الشيعي، فلم ينجح في استيعابها، وسعى لإلحاقها لا لمشاركتها. وعبر خمس دورات انتخابية في دائرة بعلبك- الهرمل، تمثلت عرسال، انتخابياً، باثنين من أبنائها على لوائح «الوفاء للمقاومة»، وهي اليوم من دون نائب، برغم أنها التجمّع السني الأكبر في الدائرة الانتخابية. وكان مقتل رئيس الوزراء رفيق الحريري شكّل مفصلاً في التحوّل الكبير لسياسة أبنائها، فمالت غالبية فيها صوب قوى 14 آذار، لكن الحريري الابن تجاهل هذه البلدة لاحقاً، وفق ما يردّد معظم أبنائها، الى أن انطلقت «الثورة السورية»، فالتحق كثر منهم بها، دعماً وانخراطاً وإفادة، وذاكرتهم ممتلئة بـ«ذكريات بشعة عن مرحلة الوصاية السورية»، وفق تعبيرهم في أكثر من مناسبة، وقولهم إن الاستخبارات السورية «ميّزت قريتهم عن سائر القرى المحيطة».
الحرمان
عرسال هي من قرى قضاء بعلبك في محافظة البقاع، تشترك مع سوريا بخطّ حدودي طوله 50 كيلومتراً، ويُنعِش تهريب البضائع البلدة المنسية تنموياً. ومثّلت هذه البلدة، منذ استقلال الجمهورية اللبنانية، حاضنة سياسية واجتماعية لأحزاب علمانية، فأطلق عليها اسم «بلدة الـ1200 شهيد» الذين واجهوا إسرائيل. أما اليوم، فلا يبالي أهاليها بمعزوفة الحرمان المزمن وتقصير حكومات ما بعد الطائف بحقهم، إذ ثمة ظلم، بنسخة أكثر إيلاماً، يكاد يدفع بهم نحو تجاوز المحظور، ويربطونه بشريط «الاضطهاد» الذي يلاحقهم منذ دخول سوريا منظومة «الربيع العربي».