دلالاتٌ عديدةٌ تضمنتها إِعادة افتتاح كنيس يهودي مغربي قديم، بعد ترميمِه في مدينة فاس، الأربعاء الماضي، سيما وأَن رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، والذي يتزعم حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، من افتتح مراسم المناسبة، بقراءَته رسالةً من الملك محمد السادس، جاء فيها أَنَّ افتتاح هذا الكنيس "يدلُّ على غنى وتنوع المكوِّنات الروحية والتراث الأصيل للمملكة المغربية، هذا التراث الذي انصهرت في بوتقته الخصوصية اليهودية المغربية التي يمتد تاريخها المتجذر في المغرب إِلى أَكثر من ثلاثة آلاف سنة".

وتأتي الرسالة على اعتراف المملكة المغربية بكل مكوناتها الدينية والعرقية، وتقول "إِنها الخصوصية العبرية التي تشكل اليوم، كما كرس ذلك الدستور الجديد للمملكة، أَحد الروافد العريقة للهوية الوطنية"، في إِشارة إِلى ما تضمَّنته ديباجة الدستور المغربي بعد تعديلاتٍ واسعةٍ عليه، وأَقرَّه استفتاءٌ عام في يوليو 2011، وفيها أَنَّ المملكة المغربية دولةٌ إِسلامية موحدّة ".. بانصهار كل مكوناتها، العربية الإسلامية، والأَمازيغية، والصحراوية الحسّانية، والغنية بروافدها، الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطة.

كما أَنَّ الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبّث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافاتِ والحضارات الإنسانية جمعاء". ودعت الرسالة الملكية الحكومة المغربية إِلى ترميم كل المعابد اليهودية في مختلف المدن المغربية.

مراسم احتفال

ونظمت مراسم الاحتفال بتدشين المعبد اليهودي (سيناكوك صلاة الفاسيين) مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي، وخضع لعمليات ترميمٍ وإِصلاحٍ بتمويل أَلمانيٍّ وإِشراف ثلاثة مهندسين يهود من إِسبانيا. وإِلى مسؤولين مغاربة كبار يتقدمهم بنكيران، قدم لحضور الاحتفال في حي الملاح في فاس 150 يهودياً من فرنسا وأَميركا وفنزويلا وكندا وبريطانيا.

وجاءَت المناسبة للتذكير بأَنه لم يبق غير أَقل من ثلاثة آلاف مغربي يهودي في بلدِهم، وكانوا حتى الخمسينيات في القرن الماضي مئات الآلاف، وللتذكير بأَنَّ الراحل الملك محمد الخامس رفض أَنْ ينزع حمايته عن يهود بلاده لتسلمهم حكومة فيشي، العميلة للاحتلال الألماني في فرنسا في غضون الحرب العالمية الثانية، إلى النازية، وأَبلغ الفرنسيين، في حينه، بأنه حامي المؤمنين جميعاً، مسلمين ويهوداً.

رسالة ملكية

وإِذ يفتتح مراسم تدشين الكنيس عبد الإله بنكيران الذي ينتسبُ إِلى الحركة الإسلامية المغربية، فقد يسَّر له تكليف العاهل المغربي بقراءَة رسالةٍ ملكيةٍ في الاحتفال أَنْ يُؤكد صورتَه رجل دولة يتساوى المواطنون المغاربة لديه، مسلمين ويهوداً، وأَياً كانت منابتهم، كما أَكدت على ذلك دساتير المغرب، وشدَّد على تنوع مكونات البلاد الثقافية والحضارية الدستور الذي تدشنت به انعطافةٌ جديدة، عبر فيها المغرب إِلى إِصلاحاتٍ سياسيةٍ واسعة.

واعتبر الكاتب والمعلق المغربي، توفيق بوعشرين، أَن الملك محمد السادس أَعطى بنكيران هدية إِعلاميةً وسياسيةً كبيرة، عندما أَناط به قراءَة الرسالة الملكية في حفل تدشين معبدٍ يهودي وسط حضور دولي غير قليل، ذلك أَنَّ هذه الهدية منحته فرصةً جديدةً للظهور رجلاً عصرياً لا يُعادي اليهود، ويُمايز الصهاينة عن بقية أَتباع الدين اليهودي.

 

 

 

كنيس وملتقى ومتحف

 

 

 

يعد سيناكوك صلاة الفاسيين أشهر كنيس يهودي مغربي في العالم، وقد تحول بعد ترميمه إِلى متحف يهودي عالمي، ومن المنتظر أن تلتقي فيه، كل عام في يوم ذكرى احتفال إعادة افتتاحه، أَعرق العائلات المغربية اليهودية المنتشرة في العالم، للاحتفال وأَداء العبادات، على ما أَوضح رئيس التجمع العالمي لليهود المغاربة سيرج بيرديغو، والذي قال إِن هذه العائلات ستجعل من الكنيس الفاسي هذا أَحد أَشهر وأَعرق أَماكن تذكر فترة اعتبروها زاهيةً في حياتهم.