سقط سد الفرات «العظيم» بيد «العصابات الإرهابية المسلحة».. المنجز الاقتصادي الأكبر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أصبح بيد الجيش السوري الحر، وبحيرة الأسد لن يعود اسمها كما كان بعد اليوم، ستصبح بحيرة الطبقة أو ربما سيطلق عليها أحد اسم صحابي جليل مدفون في تلك البقعة من أرض سوريا.

حفظ السوريون طوال العقود الأربعة الأخيرة، عن ظهر قلب أن المنجز الاهم للرئيس «الخالد» هو سد الفرات العظيم، الذي كان يعد بمواسم وافرة من القمح والقطن، وباكتفاء ذاتي من الكهرباء.

في سنوات السبعينات اندفع الشباب الطامح بتأسيس مجتمع وأسرة مثالية في ظل النظام الاشتراكي إلى المدينة النموذجية «الطبقة»، التي بنيت وفق مخططات مجلوبة من السوفخوزات الكلخوزات السوفييتية.. مهندسون زراعيون منحتهم الدولة أراض ومساكن متشابهة، وما عليهم سوى إقامة مشاريعهم التعاونية الزراعية وفق الخطط الخمسية.

تحولت «الطبقة» خلال حقبة السبعينات إلى مجتمع اشتراكي مثالي، كان يعتبره حافظ الأسد مفخرة من مفاخر سوريا الحديثة، شباب من مختلف المحافظات، من مختلف الطوائف والاديان، يبنون مجتمع سوريا الاشتراكي.

لم يستمر الحلم إلا قليلاً، فمواسم الخصب التي وعد الناس بها، تحولت إلى مواسم جفاف، والمستعمرات الزراعية هجرها الشباب عائدين إلى المدن التي خرجوا منها.. فوحش الفساد كان أكبر من الحلم، والقبضة الأمنية اوقى من عنفات سد الفرات.

تحول السد خلال حقبة الثمانينات إلى آلة لتوليد الكهرباء، ومياه البحيرة التي كان يحجزها خلفه أصبحت مجرد حوض لتربية الأسماك. لم يستفد فلاحو الجزيرة من مياهه، فاتفاقيات تقاسم المياه مع الأتراك والعراقيين، دخلت مراحل معقدة نتيجة الصراعات السياسية، وفي بعض المراحل لم تكن تعمل في السد أكثر من عنفة واحدة من أصل ثمانية. غرق السوريون في الظلام، وظهرت نغمة التقنين.

مع عقد التسعينات أصبح سد الفرات مجرد ذكرى للتنمية الموءودة، والوعود الفارغة، لم يعد له أي دور في توليد الكهرباء، أصبحت محطات التوليد التي تعمل على الفيول هي المصدر الأساس.. وحلت شبكة الربط الكهربائي الاقليمية محله.

كانت العواقب البيئية التي نتجت عن السد أكبر بكثير مما يتخيل المخططون، إذ حجز السد التربة والطمي خلفه، وأفقرت الأراضي الزراعية على ضفتيه، وزاد تملح التربة وزحفت الصحراء حتى التصقت بضفة النهر

في العقد الأول من الألفية الثالثة، حلت الكارثة بالجزيرة، هجر الفلاحون قراهم التي كانوا يعتاشون منها، وتحولوا إلى أجراء في ريف دمشق ودرعا، أصبح النازحون من الجزيرة يملأون شوارع دمشق، فأقاموا مخيمات بنيت من الأكياس على أطراف المدينة، وفي حقول درعا.

من يخرج خارج دمشق باتجاه الجنوب كان يفاجأ بكمية المخيمات المبنية على عجل، كانت كارثة الجزيرة القشة التي قصمت ظهر النظام، فبدأ يرسم السياسات التنموية لها، ولكن المصيبة كانت أكبر، فقد تلقت سوريا قبل ثورتها بعام واحد مساعدات غذائية لمليون سوري اضطروا للنزوح من قراهم في حوض الفرات والخابور فأطلقوا على مأساتهم اسم حسكافور تيمناً بما حصل في دارفور.

عندما استولى المسلحون من الجيش الحر وجبهة النصرة على مدينة الطبقة وسد الفرات، لم يجدوا إلا أرضاً يباباً، وسداً خارج الخدمة، تماماً كما هي أحلام التنمية والتقدم التي وعد نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد السوريين ذات يوم من العام 1970 بتحقيقها.