يبدو أن إدارة أوباما قرّرت، في بداية ولايتها الثانية، إزالة الالتباس في موقفها من الأزمة السورية. سياسة دعم المعارضة بقنابل صوتية فقط، ما عادت قادرة على الاستمرار فيها. بل صارت عبئاً عليها. وسياسة تسليحها بقنابل حقيقية، خارج حسابات البيت الأبيض. أكّد ذلك وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا، مؤخراً. بديل الإدارة، هو الدخول علناً هذه المرة وبصورة ناشطة، كشريك في عملية البحث عن مخرج سياسي للأزمة. ورهانها في هذا المجال يقوم على «إقناع» الرئيس السوري بشار الأسد لتغيير تصوراته. كيف؟. «بعمل أشياء أخرى من شأنها حمله الأسد على تبديل حساباته»، كما قال. ويكون ذلك بالتعاون مع روسيا التي تأمل واشنطن أن «تعثر على أرضية مشتركة» معها في هذا الاتجاه.

التفاصيل المبهمة

كلام بانيتا الذي كشف عن العنوان وترك التفاصيل مبهمة، تبعته تسريبات تفيد بأن «الأشياء» التي ألمح إليها لفرض التغيير على موقف دمشق، تتمثل في العمل على استصدار قرار من مجلس الأمن على أساس الفصل السادس غير الملزم من ميثاق الأمم المتحدة والذي يوصي باعتماد التفاوض بين الأطراف في مثل هذه الأزمات، مع نشر قوات حفظ سلام دولية بين المتقاتلين. صيغة مستوحاة من اتفاق جنيف في يونيو الماضي، بالتنسيق والتفاهم مع موسكو.

وتعزّزت التسريبات عندما أكدت الناطقة الرسمية في وزارة الخارجية الأميركية، فكتوريا نولاند، بأن وزير الخارجية جون كيري بحث مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أول من أمس في واشنطن، في سبل التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية. وكان الأمين العام، عشية الاجتماع قد كرّر دعوته لمجلس الأمن كي يعمل «لإنهاء الجمود وضرورة التحرك المجدي بشأن سوريا». ونسبت مصادر إلى المباحثات تناولت موضوع «مؤسسات الدولة السورية ووجوب حمايتها»، على اعتبار أنه بخلاف ذلك «قد تتعرض سوريا للتمزق مع كل ما يستجرّه ذلك من مضاعفات على عموم المنطقة».

تفكك سوريا

وتجدر الإشارة في هذا السياق أن احتمال «تفكك» سوريا، صار يشار إليه مؤخراً في تقارير وندوات وتحليلات أميركية، كخيار قد تنتهي إليه الأزمة إذا ما طال أمدها واستمر نزيفها. وفي بعض القراءات أن مثل هذا التخوف، لعب دوره في كبح جماح التسليح لأطراف المعارضة في الآونة الأخيرة، لئلا يطيح عنف الصراع ومدى خرابه وتدميره بأي إمكانية للتوصل إلى معادلة تبقي على وحدة البلد.

الخيار المطروح تدويل لا يتعدى طموح تجميد الأزمة عند مفصلها الراهن، تحت عباءة عملية التفاوض. إدارة أوباما مهّدت له من خلال خطابها وتحركاتها الأخيرة. مع دخول الوزير جون كيري إلى الحلبة، سقطت من التداول الرسمي المفردات الضبابية والمفتوحة على التأويل. ما عادت تشمل عبارة أن الأسد «باتت أيامه معدودة» ولا عبارة أنه «لن يكون جزءا من العملية الانتقالية». بدلاً عنها صار التفاوض مقبولا مع «من يمثل النظام». وفي هذا المجال عاد اسم نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إلى التداول كشخصية «مقبولة» لهذا الدور.

خطاب صوتي

أتى هذا التحوّل على قاعدة أن الاستمرار بسياسة العزوف المغطّى بخطاب صوتي، انتهى مفعولها. صار المطلوب وضوح سياسة الإدارة في بداية ولايتها الثانية. ولو أنها سياسة تقوم على التجريب. كيري نفسه قال إنه ليس هنا ما يضمن للتوجه التفاوضي نجاحه. ولا هو مربوط بسقف زمني محدّد. تحذيراته تقول إن العملية مفتوحة. واستطراداً الحرب أيضاً مفتوحة، بانتظار الصفقات الكبيرة التي قد تلوح أولى خطوطها في لقاء كازخستان في 26 الجاري حول النووي الإيراني. لكن حتى في حال حصول حلحلة على هذا الصعيد، تبقى حالة سوريا في براد الانتظار ولغاية إبرام الحلقات الأساسية من التوافقات. في حال حصلت وعندما تحصل. على الأقل هذا ما تشي به أجواء واشنطن الراهنة.