مبارك : محطات من محاكمته

«في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد والله الموفق والمستعان».. بهذه الكلمات القصيرة المقتضبة أعلن نائب الرئيس الراحل اللواء عمر سليمان في 11 فبراير 2011 تنحي مُبارك عن حكم مصر لتنفجر بعد ذلك صيحات الفرحة والسعادة الغامرة بميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة ومختلف ميادين الثورة بعد 18 يوماً من الاعتصام وإراقة دماء العشرات في جمعة الغضب 28 يناير 2011، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل الشعبي المصري، فممارسات النظام الجديد بحسب بعض المراقبين لا تختلف كثيراً عن سابقه.

ولم يكن يدري المحتفلون بهذا النبأ أنه سيأتي اليوم الذي ربما يندم فيه بعض من أبناء الشعب المصري على أيام مُبارك.. ولم يكونوا يدرون أن القدر كتب لهم نظاماً يتشابه في كثير من سمات النظام الذي أسقطوه لتوهم وأن جماعة الإخوان المسلمين التي راحوا ينعتونها بالجماعة المناضلة التي دفعت أعواماً من عمر أبنائها فداءً لمصر وفي مواجهة نظام مُبارك ستتحول لخصم جديد يهتفون ضده كما هتفوا في أيام الميدان الـ18 «الشعـب يريد إسقاط النظام».

وضع مزرٍ

عامان مرا على تنحي مُبارك.. وسمات عهده لا تزال باقية بشهادة كثير من المراقبين في مصر، فالوضع الاقتصادي المزري لا يزال كما هو عليه يدفع ضريبته الفقراء أضعافاً مضاعفة، كما إن آليات تعامل الإدارة الجديدة مع المعارضة اتسمت أيضاً- بالجفاء نفسه ومحاولات الإقصاء نفسها التي يتعرّضون لها، فضلاً عن تنامي الغضب الشعبي ضد سياسات النظام الحاكم وكأن الشارع أضحى أمام «حزب وطني» يتجدد ويتمحور في شكل جماعة الإخوان المسلمين مع فشل الرئيس محمد مرسي طيلة الشهور الماضية في إدارة ما وكل إليه من ملفات.

ورغم محاولات إدانة النظام السابق في كل المشكلات التي يشهدها الشارع أخيراً وطيلة عهد مُرسي وأبرزها حوادث القطارات وانهيار البنية التحتية إلا أن فئة كبيرة من الشارع بدأ يتولد لديها شعور برفض النظام الحاكم الحالي والتحسر على نظام مُبارك الذي يلقون على عاتقه كل التهم الآن.

تصحيح المرحلة الماضية

ومن جانبه، يصف أستاذ علم النفس بالقاهرة يسري عبدالمحسن في تصريحات خص بها «البيان» حال الشعب المصري طيلة العامين الماضيين منذ تنحي مُبارك وحتى الآن بالقول إن الشعب المصري انتابته حالة من الإحباط الشديد نتيجة تأخر الثورة في تصحيح أخطاء المرحلة الماضية، وفشل القادة السياسيين في تحقيق مطالب ثورة 25 يناير ومن ثم تملكته حالة من الغضب والحنين إلى عهد مُبارك بما كان يحمله من وضع أمني مستتب ومستقر نسبياً عما تشهده مصر الآن، مشيراً إلى أن الشارع وجد في مُرسي صورة من مُبارك ومن ثم تخبطت رؤيته للمشهد الحالي «وكفر كثير من أبناء مصر بالثورة»، وتملكهم حنين لعهد مبارك.

ويضيف عبدالمحسن أن وجود رئيس يتمتع بخلفية إسلامية في سدة الحكم وحزب قائم على أساس مرجعية إسلامية هو حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان تزامناً مع فشل الإدارة الحالية في التغيير كل ذلك يؤدي إلى حالة من فقدان الثقة في الإسلاميين، ومن ثم فإن ذلك كله يهدد إيمان الجيل وثقته بعلماء ورجال الدين وهو أمر خطير للغاية خاصة أن النظام الحالي «فشل في أن يتعامل بصورة نفسية صحيحة مع المصريين ومشكلاتهم وتطلعاتهم المختلفة».

مرسي مبارك!

وطيلة الفترة الماضية نعت المصريون الرئيس محمد مرسي بصورة ساخرة على «محمد مرسي مُبارك»! في إشارة واضحة الدلالة على كونهم لم يروا أي تغيرات في السياسات المختلفة تطرأ على المشهد السياسي وعلى وضعهم، خاصة في ظل استمرار القبضة الأمنية نفسها وتجاوزات وزارة الداخلية وجهاز الشرطة في حق المتظاهرين والتي اتضحت جلياً من خلال عمليات السحل والتعذيب التي تعرّض لها بعض النشطاء طيلة المرحلة الماضية ما أعاد للأذهان صورة قاتمة من صور نظام مُبارك هي في حدتها أشد قتامة وأشد ظلاماً من فترة مُبارك، التي نجح فيها أن يلملم أرجاء وشتات المشهد في الوقت الذي عمل نظام مُرسي على بعثرتها بشكل عام وإظهار مدى شتات المصريين فضلاً عن إتاحة المجال أمام الفصائل المُتشددة سياسياً ودينياً.

النواحي الأمنية

وفيما يتعلق بالناحية الأمنية يرى الخبير الأمني اللواء حسام سويلم أن الأوضاع التي كانت مصر عليها إبان عهد مبارك «تغيّرت بقوة للأسوأ خاصة أن الرئيس الحالي وجماعة الإخوان المسلمين لديهم طموحات واستراتيجيات استحواذية على المشهد السياسي، كما أن لهم أجندات وأهداف للتنظيم الدولي من أجل دعم مشروعهم الإسلامي، الذي سيعمل على إضاعة وإهدار العلاقات التاريخية التي دعمها مُبارك وخاصة أن هناك نية لدى الإخوان مُخططات عالمية.

ويعتبر سويلم أن الوضع الأمني يزداد سوءاً، مشيراً إلى أن النظام الحالي «أسوأ من سابقه»، وخاصة أنه مبني على أسس خاطئة من البداية.

دمى مُبارك!

ويرى مراقبون أن مُرسي نجح في الإطاحة بدمى مُبارك داخل مؤسسة الرئاسة وعدد من المؤسسات الحساسة التي تشكل الدولة العميقة في مصر إلا أنه استمر على النهج نفسه أو المنوال بشكل عام والسياسات السابقة نفسها؛ ليتحول بذلك مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين إلى لجنة سياسات جديدة على غرار لجنة سياسات الحزب الوطني (المُنحل).

عمل مؤسسي

وفي المقابل، فإن عضو الهيئة الاستشارية لمُرسي بسّام الزرقا يؤكد في تصريحاته لـ«البيان» أن مُرسي يختلف كلياً عن النظام السابق وأن من يرى ذلك فإنه يتجاهل حجم الإنجازات التي تم تحقيقها طيلة الشهور السبعة الماضية.

 ويردف الزرقا القول: «النظام السابق كان يعمل بشكل فردي وليس بشكل مؤسسي في الوقت الذي يحاول فيه مُرسي في التأسيس للعمل بشكل مؤسسي»، مؤكداً أن هناك المزيد من الوقت أمام مُرسي للمزيد من الخطوات والإنجازات.

 

 

بطلان التنحي

 

 

 

راح بعض المصريين يستعين بالناحية القانونية من أجل إبطال تنحي مبارك. حيث تقدّم عدد من المحامين بدعاوى تطالب ببطلان التنحي وهي الدعاوى التي تم إرجاء النظر فيها إلى جلسة أول أبريل يستند فيها مقدمو الدعوى إلى أن مُبارك لم يصدر قرارات رسمية بالتنحي لكن كل ذلك كان من خلال خطاب لنائبه الراحل عمر سليمان دون وجود قرارات رسمية ومن ثم فهو نظرياً «لا يزال رئيساً لمصر».

 

 

مبارك مرشحاً

 

 

 

ردد بعض النشطاء على صفحات «فيسبوك» سؤالاً: «ماذا لو تمكن مُبارك من خوض الانتخابات المقبلة منافساً لمُرسي؟!». ويصف البعض هذا السؤال بأنه «كراهية بالإخوان وبالرئيس مُرسي» ولعل هذا السبب نفسه هو ما دفع الملايين للتصويت للفريق أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية السابقة كأحد عناصر نظام مبارك تيمناً بالماضي وتخوفاً من فلسفة الإخوان المسلمين التي طفت على السطح الآن.