كثيرةٌ القضايا والموضوعات والمستجدات، السياسية والاجتماعية، في المغرب والتي يصادفها الصحافي العربي أمامه، مع وصوله إلى هذا البلد، وتغريه بمتابعتها وملاحقة تفاصيلها غير القليلة، لاسيما وأن التعددية الحزبية والغنى الثقافي والتنوع الاجتماعي مظاهر شديدة الوضوح في المملكة التي تشهد ممارساتٍ لحريات التعبير والاحتجاج تتجاوز كثيراً سقوفاً قد يتخيلها الصحافي الزائر نفسه خطوطاً حمراء.

 ومع عبور المغرب إِلى «ربيعه» الخاص، منذ نحو عامين، وبالنظر إِلى أن النقابات والجمعيات والتشكيلات المدنية والمركزية والجهوية في هذا البلد، قد تعصى على العد، ومع صدور نحو 30 صحيفة يومية بالعربية والفرنسية، عدا عن الصحف والدوريات الأسبوعية، بالنظر إلى ذلك كله، وغيره، فإن مراقبَ هذا المشهد إذا ما أراد الوقوف على مستجدات اللحظة السياسية والاجتماعية الراهنة في المغرب ستصعب عليه المسألة، حيث زوبعةٌ من مكايدات الأحزاب في السلطة والمعارضة.

وفيما بينها في الضفةِ نفسها أيضا، ومع وفرةٍ عريضةٍ من الانتقادات المتواصلة لحكومة الائتلاف «32 وزيرا» في السلطة، والتي يقودُها عبدالإله بن كيران من حزب العدالة والتنمية، الإسلامي النزعة والتوجه، والذي يحتفظ بـ11 حقيبة وزارية، ويخوضُ منذ أسابيع اشتباكاً بشأن ملفات اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ مع شريكه الأبرز في الائتلاف الحكومي، حزب الاستقلال «ستة حقائب».

ولعلَّ الصحافي العربي القادم إلى الرباط من أي عاصمةٍ مشرقية، حيث ضجيجُ المحنةِ السورية المتواصلة وصخب المشهد المصري يتصدّران متابعاته، يلحظ، بوضوح شديد، ثقل الملفات المحلية في حضورها النافذ في صفحات الجرائد وبرامج الفضائيات وشاشات المواقع الإلكترونية الإخبارية التي صارت منافساً قوياً للصحافة المكتوبة في المغرب.

سوريا مغيبة

بالكاد، تجد في صحيفةٍ مغربيةٍ خبراً مفصلاً عن الجاري في سوريا، وحين تسأل زميلاً صحافياً عن ذلك، يؤكد لك التعاطفَ الواسع لدى المغاربة مع الشعب السوري، ونقمته على النظام الحاكم في دمشق، غير أنَّ متابعتهم الأحداث اليومية بشأن سوريا ميدانياً وسياسياً لم تعد على ذلك الإيقاع في الأسابيع الأولى للثورة بسبب رتابة الوقائع المتواترة، وعدم حدوث اختراقٍ ينقلها إِلى منعطف حاسم.

وقد تمكن الحدث التونسي والذي تمثل في تداعيات اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد الثلاثاء الماضي من احتلال موقعٍ متقدم في النقاش السياسي المغربي الراهن، وفي صدارةِ اهتمامات وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والإلكترونية.

ومع بروز نبرة قلقٍ على تونس ظاهرة، فإِن المغاربة يشعرون بتمايزٍ لديهم خصوصا تسلم حزبٍ إِسلاميٍّ دفة السلطة التنفيذية عن الجاري في تونس، فالضوابط، الدستورية والسياسية تحمي الائتلافَ الحكوميَّ المغربيَّ من حالةِ الارتباك البادية في الائتلاف التونسي بقيادة حركة النهضة، والتي يجهد أَمينها العام، رئيس الحكومة حمادي الجبالي، من أَجل الخلاص من صيغة الائتلاف الحزبي في الحكومة، والاتجاه إِلى حكومة كفاءات وتكنوقراط.

ميزة استثنائية

ويشعر المغاربة، نخباً في السلطة والعمل الأهلي والنشاط الحقوقي، وكذا فاعليات اجتماعية، بأنَّ للربيع الذي عرفه بلدهم، ميزتُه الاستثنائية التي لا تُورطه بالإرباك التونسي الحادث أَو ربما التأزم الحاد في البلد الذي مهَّدت ثورتُه لمسار الربيع العربي المعروف.

وتعودُ هذه الاستثنائية إِلى حيوية الحراكات الشبابية بمطالبها السياسية والاجتماعية، وعناوينها التي استهدفت إصلاح النظام ومحاربة الفساد، وكذلك إلى التقاط العاهل المغربي الملك محمد السادس الخيوط التي تجعل المعادلة المغربية في منجاةٍ من التأزمات والتوترات، فكان التعديل الدستوري ثم دلفَ المغرب إلى ربيع الإسلاميين الذي تتم مراقبة ومقاربة تفاصيله في تونس ومصر مثلا بغير المنظور الذي تتمُّ فيه مراقبة تفاصيله المغربية ومقاربتها.

يبدأ الصحافيُّ العربي زيارتَه المغرب، وفي باله أنْ يعثر على هذه الخصوصية الإسلامية في الحكم، وأنْ يستكشفَ الصيغ والطرائق التي تتوسلها الأَحزاب والقوى الاجتماعية والسياسية في البلد في مناوشةِ الإسلاميين في السلطة، وهم ينخرطون في ملفاتٍ، متصلةٍ بما هو معيشيّ وتنمويّ، يشغل المواطنين المغاربة، ويعطونه كل أولويةٍ على مشاغلِ النخبِ السياسيةِ التي لا تتوقف جدالاتُها بشأن الإصلاحات السياسية وتعميق الممارسة الديمقراطية المبتغى أَنْ تكون حداثية مدنية خالصة، ومن ذلك البطالة والغلاء والفقر، ولا يلحظ زائر الرباط في تجوالِه في ميادينها وشوارعها مظاهر حادّة تتصل بهذه القضايا.

فيحدثك زملاؤك عن الأَرياف والقرى والبوادي، حيث المطالب المعيشية والاجتماعية أَكثر وضوحاً وإلحاحاً، وحيث برامج التشغيل والتنمية وتطوير البنيات التحتية هناك طلت في مقدمة خطط الحكومات المغربية السابقة، وهي حكومات صارت أَحزابٌ رئيسةٌ وقياديةٌ فيها في المعارضة، ترى صحفها تشتبكُ مع حكومة العدالة والتنمية، وتترصد أداءَها، وتُشهر أَمامها إِحصاءاتٍ ومعطياتٍ تتوسلها شواهد على «سوء أَداء» الإسلاميين و«قصوره» في السلطة، وإِن شاركهم استقلاليون ويساريون وشيوعيون...

يُطالع الصحافي العربي القادم من المشرق حيث الكارثة السورية والتشوش المصري والبؤس العراقي، «أمثلة»، هذه العناوين المغربية، من مشاغل شديدة المحلية، فيضطر إلى عقد المقارنات إياها، فيشفق على غير بلد مما هو فيه.

وأن يشار هنا إلى توصيف هذه المشاغل بأنها شديدة المحلية، فذلك لا يغفل عن أن المغرب بلدٌ يحرص على صلته وعلاقاته بجواره ومحيطه، بل وعلى عمقه، المغاربي والعربي والإفريقي، ويتطلع إلى طموحات كبيرة في سياق «شراكته المتقدمة» مع أوروبا.

... وبين اشتباكات الشؤون المحلية، ومنازعات قوى وأَحزاب وفاعليات في الإعلام والبرلمان، وكذا في احتجاجات في الشارع، وبين هذا الزحام كله، يتسلل الشأن التونسي حاضراً في الأثناء، من باب حكم الإسلاميين هناك خصوصاً.

 

 

رأي مسؤول

 

 

 

تحدّث مدير الاتصال والعلاقات العامة في وزارة الاتصال «الإعلام» المغربية عبدالإله التهاني إلى «البيان» وصحف عربية عن اللحظة السياسية التونسية الراهنة بمقارنتِها مع تجربة الإسلاميين بالسلطة في المغرب لصالح هؤلاء، وذلك بسبب سياقٍ خاص للتجربة المغربية في الإصلاح السياسي، بعد التعديل الذي جرى على الدستور، وتناقصت فيه صلاحياتٌ غير قليلة للملك، وهو الدستور الذي تمَّت على ضوئه الانتخابات النيابية في خريف 2011، وجاءَ «العدالة والتنمية» الحزب الإسلامي المعتدل إلى السلطة التنفيذية والمسؤولية الحكومية، بعد أعوام من مكوثه في المعارضة.