دخلت العلاقات بين جناحي حركة النهضة الاسلامية في تونس «الصقور» و«المعتدلين» مرحلة من التوتر الحاد بسبب قرار أمينها العام، الذي يترأس الحكومة، حمادي الجبالي تشكيل حكومة تكنوقراط، فيما تشير توقعات إلى نية الحركة عزل الجبالي الذي قد يرد بتشكيل حزب جديد بعيد عن توجهات الفريق المتشدد من النهضة الذي يتبع الزعيم «الخارجي» راشد الغنوشي.

وأكّدت مصادر مطّلعة لـ«البيان» أمس، أن قيادات من داخل الائتلاف الحاكم وصفت قرارات الجبالي بأنها «إعلان انقلاب على الترويكا، حيث قلب الطاولة على الجميع، وأعاد خلط الأوراق بشكل مفاجئ، كما أنه وضع مستقبله السياسي مع حركة النهضة في الميزان، وسيكون عليه تقديم استقالته الى رئيس الحكومة».

وأضافت المصادر أن الجبالي «معرّض حاليا لعزله وسحب الثقة من حكومته، وتكليف شخصية أخرى من حركة النهضة بتشكيل حكومة جديدة»، وهو ما يراه المراقبون أقرب الى الواقع، لكن هذه الفرضية قد تصطدم بالعجز عن تحقيق تزكية لها داخل المجلس الوطني التأسيسي في ظل الانشقاقات الحاصلة في حزبي «التكتّل» و«المؤتمر» والتي يمكن أن تحصل داخل الحركة إذا أبدى نوّاب نهضويون انحيازهم لمواقف الجبالي.

انشقاق الجبالي؟

وستعني أية محاولة لعزل الجبالي انشقاقه عن «النهضة» ومعه الجناح المعتدل، الذي تقول مصادر مطلعة لـ«البيان» إنه بصدد الإعداد لتأسيس حزب جديد قريب من الأحزاب المدنية والديمقراطية وعلى صلة بها، وقد يدخل في تحالف سياسي معها خلال الانتخابات المقبلة.

وأشارت المصادر إلى أن رئيس الحكومة التونسية «تعرّض خلال الأشهر الماضية الى ضغوط من قبل جناح الصقور في الحركة ومن محاولة محاصرته وتوجيه قراراته السياسية عقائديا، وبما قد يؤثّر على مصلحة البلاد، وأنه رفض ذلك بقوّة، وفي أكثر من مناسبة خيّر الانسحاب من اجتماعات مجلس الشورى والمكتب السياسي للحركة بعد تعرّضه لانتقادات حادة حول ما يعتبره جناح الصقور تغاضيا منه عن مصالح الحركة ومشروعها الأيديولوجي وأهدافها الاستراتيجية، الى جانب رفضه لقانون العزل السياسي».

بحث البديل

وعلمت «البيان» أن مشاورات بين داخل كتلة الحركة بالمجلس التأسيسي وبعض أنصارها للبحث عن بديل للجبالي، وأن رئيس الكتلة بلحسن عتيق حصل على الضوء الأخضر من الغنوشي والجناح المتشدد الذي يرفض بقوة التخلي عن وزارات العدل والخارجية والداخلية وهي الوزارات التي وضعت عليها الحركة يدها وانطلقت في عملية «أسلمتها» وخاصة الاخيرة التي تم نشر تقارير إعلامية تفيد بتورّط عدد من كوادرها في تهديد المعارضة وقيادة حملة العنف ضد المعارضين.

حكومة سياسيين

وقال عضو المجلس التأسيسي والقيادي المتشدد في «النهضة» الصادق شورو إنّ قرار الجبالي تشكيل حكومة تكنوقراط «خاطئ باعتباره لا يفتح الباب أمام حلّ المشاكل الحقيقية، وهو سوء الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعقد». وأضاف في تصريحات صحافية أنّ هذا الحلّ «نظري ولا يزيد الأمور إلاّ تعقيدا، لأن الحل لا يأتي عن طريق حكومة تكنوقراط، بل عبر حكومة سياسيين لها تمثيل شعبي وقدرة على تصور الحلول للخروج من الأزمة».

ويجمع المراقبون على أن «النهضة» لن تقبل بحل الحكومة الحالية وتعويضها بحكومة كفاءات، وأن القرارات التي أصدرها الجبالي من دون التشاور مع قيادة حركة النهضة ومع حليفيها في الحكم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتّل الديمقراطي للعمل والحريات، «تؤكّد وجود تصدّع حقيقي في طلب القيادة النهضوية، وهو أمر لم يعد خافيا، نظرا للخلافات الحادة بين الجبالي الذي يمثّل جناح «الداخل» المدافع عن الدولة المدنية الحديثة والمصالحة الوطنية، وبين الغنوشي الذي يمثّل جناح «الخارج» ويرتبط مباشرة في قراراته ورؤيته بقيادة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

وقالت مصادر مطلعة لـ«البيان» إن الحركة «على استعداد لمناقشة إجراء تعديل وزاري قد يشمل جميع الوزارات ما عدا وزارة الداخلية التي ترفض الحركة رفضا باتا التنازل عنها».

حكومة وفاق

في هذه الأثناء، أعلنت الرئاسة التونسية أنها تدعم تشكيل حكومة وفاق وطني، مؤكدة انها ليست على علم باقتراح رئيس الحكومة المتعلق بتشكيل حكومة كفاءات مُصغرة، في موقف وسطي بين الدعوة لتشكيل حكومة تكنوقراط الذي دعا إليه الجبالي، ورفضها المطلق كما الموقف العام لحركة النهضة.

وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة عدنان منصر خلال مؤتمر صحافي إن الرئيس منصف المرزوقي «يؤيد تشكيل حكومة وفاق وطني تضم كفاءات تتولى الوزارات الاقتصادية والفنية».

وأشار إلى أن المرزوقي «شرع بإجراء مشاورات مكثفة مع قادة الأحزاب والشخصيات الوطنية حول الأوضاع المستجدة على الأصعدة السياسية والأمنية».

مشكلة قانونية

قال النائب عن كتلة حركة النهضة بالمجلس الوطني التأسيسي وليد البنّاني إنّ القرار الذي اتخذه حمادي الجبالي بتشكيل حكومة كفاءات وطنية «له زاويتان، الأولى قانونية والثانية سياسية»، مؤكّدا أنّ هذا القرار «غير قانوني، وليصبح قانونياً يستوجب استقالة الجبالي إلى جانب استقالة حكومته».

وفسّر أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد الناحية القانونية بالقول: «يفترض أن يقدم الجبالي استقالته الى رئيس الجمهورية الذي سيطلب منه تكوين حكومة جديدة باعتبار انتمائه الى حزب الأغلبية في التأسيسي».

ويرى الخبير الدستوري الصادق بلعيد أنه «ليس من حق الجبالي تغيير الحكومة بأكملها، بل يستطيع تغيير وزير أو جمع وزارتين أو حذف وزارة». البيان