منذ حصول العالم الغربي في 2003 على تقارير «شبه موثوقة» بشأن تطوير طهران لبرامج ومواقع سرية لمشروعها النووي الذي ورثه النظام الحالي في إيران عن نظام الشاه السابق محمد رضا بهلوي، والعالم ومنطقة الخليج بصورة خاصة يشوبها التوتر والحراك الدائم لاحتواء هذا البرنامج المثير للجدل والذي وجدت فيه الحكومة الإيرانية مادة دسمة للمناورة مع الغرب وتحديداً مع القوة الأولى في العالم الولايات المتحدة الأميركية التي تستخدم سياستها المعروفة بالعصا والجزرة ما بين ترغيب وترهيب.

حاولت السياسة الأميركية جاهدة طيلة فترة حكم الرئيس باراك أوباما الأولى التي توازت مع انطلاق عدة مباحثات نووية مع طهران؛ السعي لخلق حالة من التوازن بين استخدام سياسة العصا من خلال العقوبات ذات البعد الواحد والدولية التي تبناها مجلس الأمن الدولي ضد نظام طهران، تلك العقوبات التي أطاحت بـ «التومان» وأغرقته بوضع اقتصادي تتضح آثاره يوماً بعد آخر، وبين سياسة الجزرة التي تغازل بها طهران في بعض الأحيان إلى حد يتصور المرء أن لجم واشنطن لجماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي هدد في ولايته الأولى حين كان يمسك بائتلاف يميني قوي بضرب المنشآت النووية الإيرانية، سيفضي إلى قطيعة بين البيت الأبيض وتل أبيب عبر العديد من التصريحات الأميركية التي أكدت بصورة لا تقبل الشك أن إدارة أوباما الأولى تقاطعت مع نظيرتها الإسرائيلية بحدة بهذا الشأن.

إدارة جديدة

إن الرسائل الأخيرة المتبادلة بين واشنطن تحت إدارة أوباما الثانية وطهران بشأن إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين بشأن الملف النووي والتي جاءت صراحة على لسان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وترحيب إيران من خلال تصريحات وزير خارجيتها علي أكبر صالحي ومفرداته «المتفائلة» بهذا الخصوص، لا يمكن أن تخرج عن سياق ذات السياسة الأميركية المتمثلة بالعصا والجزرة، فواشنطن حذّرت طهران بعد ساعات على عرض المفاوضات المباشرة من أن «نافذة الدبلوماسية بدأت تضيق» وأن على طهران استغلال فرصة المفاوضات المزمع عقدها مع مجموعة «5+1» في كازاخستان نهاية فبراير الجاري، ولوّحت الإدارة الأميركية بعقوبات وصفتها بـ «الشالّة» بمعنى أنها ستصيب العمود الفقري للنظام الإيراني بالشلل هذه المرة إن لم يحصل تقدم في موضوع المفاوضات التي تراوح مكانها منذ سنوات.

تهديدات طهران

وفي المقابل، ورغم التكوين الراديكالي المعقد لنظام إيران الذي تشكّل بعد الثورة الإسلامية 1979، إلا أن هذا النظام استطاع لغاية الآن- فهم واستيعاب فلسفة السياسة الأميركية في المنطقة، وبات يقابلها بخطوات متوازية أو مضادة في بعض الأحيان، فتارة يهدد بإغلاق مضيق هرمز وأخرى يهدد بعمل عسكري وكان آخر تلك الرسائل هذه الأيام هي صور الطائرة المقاتلة « قاهر 313» التي كشفت عنها طهران وقالت إنها صناعة محلية بالكاملة وغيرها من الخطوات التصعيدية التي تشبك فيها طهران الملفات «السورية والعراقية والفلسطينية» مع الملف النووي لتتناسب وتحركات البيت الأبيض.

تغير حقيقي

ولعل المراقب لطبيعة التصريحات والأفعال على الأرض بين الطرفين الإيراني والأميركي، يدرك أن «تغيراً ما» طرأ في مجال الملف النووي، خصوصاً مع العقبات والقيود التي كانت تقيد تركيبة حكومة أوباما الأولى نظير الانفتاح والفريق الوزاري الذي أتى به في ولايته الجديدة، وفي هذا الإطار يمكن قراءة التوجه الجديد الذي أيدته مجلة «فورين أفيرس» التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية في وزارة الخارجية الأميركية من أنه «بدون الوقوع في أخطاء، يمكن احتواء إيران النووية» وهو منهج صرح به أوباما قبل الإعلان عن فوزه في الانتخابات الأخيرة.

 ولكن في المقابل فإن تصريحاً مقتضباً لوزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي أدلى به في ثنايا حديثه عن الترحيب بمفاوضات ثنائية مع واشنطن يثير الاستغراب والغموض بشأن مدى جدية طهران تجاه المباحثات النووية، حيث قال في العاصمة الألمانية برلين: «هذه المسألة الخاصة بالملف النووي باتت تبعث على الضجر». فهل ستنفع ممارسة إدارة أوباما الجديدة لسياسة العصا والجزرة مجدداً مع طهران أم أن واشنطن ستفرض إحداهما في الفترة المقبلة.

سياسة

 

حذّر المستشار السابق للأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي من أن السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة حالياً تجاه النظام الحاكم في طهران ستفضي لا محالة إلى جعل إيران دولة تمتلك أسلحة نووية.

وقال بريجنسكي في مقال نشر بعد فشل سلسلة المفاوضات الدولية مع إيران قبل عدة شهور، إن «المزج الذي يبدو ذكياً في ظاهره لسياسة العصا والجزرة، بما فيها التلميحات الرسمية المتكررة بأن الخيار العسكري الأميركي لا يزال مطروحاً على الطاولة، يقوي ببساطة رغبة إيران في امتلاك ترسانة نووية».

ويعتقد المستشار السابق أن سياسة العصا والجزرة التي وصفاها بـ «الخرقاء» قد تكون «مجدية مع الحمير لكن ليس مع دول جادة».