خرق رئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد معاذ الخطيب من خلال مبادرته المشروطة جدار الصمت الذي عصف بالحلول السياسية بين الأطراف المتنازعة، في وقت تتصاعد فيه أعمال العنف وتسد فيها آفاق الحل السياسي بسبب تمسك السلطة الحاكمة بالحل العسكري والأمني. وفي ظل قلق جدي على مصير سوريا، الكيان والمجتمع، ويأس قطاعات شعبية واسعة من إمكانية الحسم العسكري لصالح أحد الطرفين بسبب توازنات القوى العسكرية والسياسية سواء على المستوى العسكري الميداني أو على المستوى السياسي والدولي.
وبرّر المراقبون في الداخل أن معاذ الخطيب اتخذ هذه الخطوة بعد أن وقفت الدول الأوروبية والولايات المتحدة متخاذلة وصامتة وشاهدة على الجرائم البشعة لنظام الأسد، كما أنهم نكثوا بوعودهم مع المعارضة بعدم إرسال أي سلاح ومعدات دفاعية، وخصوصاً أن النظام يملك جسراً جوياً وبحرياً من الأسلحة والعتاد من روسيا وإيران، وعليه، لم يكن بوسع معاذ الخطيب تحمل مسؤولية قتل ما تبقى من السوريين وعلى مرأى ومسمع العالم الأجمع، فأراد أن يحقن دماء من تبقى من الشعب.
موقف هيئة التنسيق
ويقول حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق الوطنية لـ«البيان» إن الشيخ معاذ الخطيب فهم من خلال لقاءاته مع وزراء خارجية الدول الأوروبية في باريس أن هناك تحولا في مواقفهم من الأزمة السورية وطريقة حلها، وأن استمرار العنف يشكل خطراً عليها وعلى دول الجوار، وأنهم يريدون من الائتلاف الحوار أو التفاوض مع النظام لتشكيل حكومة انتقالية وفق مقررات جنيف، وأنهم يريدون تقديم الدعم للائتلاف بالمال والسلاح لاستمرار الصراع المسلح، مؤكداً: «هذا ما جعله يطرح رأيه على صفحته في فيسبوك وأصر عليه رغم الضجة التي أثارها بعض أطراف المجلس الوطني».
ويعلق عبد العظيم حول لقاءات معاذ الخطيب الأخيرة في ميونيخ مع الأطراف الدولية والإقليمية: «الخطيب أدرك أن الذين رعوا الائتلاف يريدون الحل السياسي في سوريا ولا يمانعون في اللقاء مع وزير خارجية روسيا والمسؤولين الإيرانيين، وهذا ما حصل بالفعل». ويضيف: «تقاطع موقف الخطيب مع مواقف هيئة التنسيق الوطنية في ضرورة اللقاء مع الدول الإقليمية ودول خارجية لها دور وتأثير في حل الأزمة السورية وإن أي طرف مع النظام والمعارضة لا بد من أن يكون طرفاً في الحل».
ولا يحوم الشك حول نزاهة شخصية معاذ الخطيب لدى طيف واسع من معارضة الداخل، فهو رفض المال السياسي وأبى أن يقبض راتباً من الائتلاف، ويرى هؤلاء أن قبول النظام بالشروط التي وضعها سيكون معاذ أنقذ ما لا يقل عن ١٦٠ ألف سوري من المعتقلين، ويكون فك الحصار عن مئات الآلاف من السوريين المحصورين دون جواز سفر في دول العالم، ويشير هؤلاء إلى أن الجلوس على طاولة المفاوضات مع النظام لا يعني التنازل عن أي هدف من أهداف الثورة أو مبادئها.
براغماتية سياسية
ويتعاطى البعض مع مبادرة الشيخ الخطيب بنوع من البراغماتية السياسية، كونها تحوي في مضامينها الكثير من الواقعية، فهو الآن يعرض للنظام باب الحوار مقابل شروط معروفة لن يقبل بها النظام في الغالب، كون النظام لا يريد إعطاء أي انتصار سياسي أو الاعتراف بالثورة ومن يمثلها، فمجرد أن النظام قبل بأن يتحاور مع الخطيب وجبهة المعارضة السورية، فذلك سيسقط حكومة بشار الأسد وشرعيته في المحافل الدولية.
ويرى الدكتور منذر خدام رئيس العلاقات العامة في حركة معاً وعضو في هيئة التنسيق الوطنية أن تصريحات الخطيب الأخيرة في وسائل الإعلام تلقى ترحيبا من هيئة التنسيق الوطنية ومن كثير من القوى الديمقراطية، ولذلك لا بد من تكثيف الاتصالات بين تشكيلات المعارضة المختلفة وفي مقدمتها هيئة التنسيق وائتلاف قوى الثورة والمعارضة والمنبر الديمقراطي والقوى التي شاركت في مؤتمر إنقاذ سوريا وفي المؤتمر الدولي السوري في جنيف لعقد اجتماع عاجل للاتفاق على قواعد التفاوض ومبادئه وإجراءاته التنفيذية والاتصال بالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وبكل من روسيا وأميركا لتأمين الإطار المناسب للتفاوض على ترتيبات المرحلة الانتقالية، مضيفاً: «لنعمل جميعاً على هزيمة هذا النظام عن طريق السياسة، حتى ولو تطلب الأمر عبر صندوق الاقتراع، لا يزال اليوم لدينا بقايا سوريا، لكن بعد أشهر لن تكون هذه البقايا موجودة».
عراقيل
يبدو طريق نجاح مبادرة الخطيب محفوفاً بعراقيل وصعوبات، فكل حديث عن المفاوضات مع النظام، دائماً يقفز على بال المواطن السوري المنقسم على نفسه تساؤل بديهي، وهو هل بنية نظام الأسد (نظام عائلي بامتياز) بتقديم تنازلات جدية لصالح الثورة والشعب؟ وهل تسمح تركيبة الفصائل الثورية غير المتحدة في الغالب بذلك أيضا؟