يقول المثل الشعبي المصري: «عادت ريما لعادتها القديمة»، وهو حال أداء جهاز الشرطة ووزارة الداخلية، التي عاودت استخدام أساليب العنف والقمع مع المتظاهرين، عقب شهور من الترويض والتطويع، لم يظهر فيها سوى حالات قليلة من العنف.

ولجأت الشرطة في أعقاب فعاليات الذكرى الثانية للثورة وحتى الآن، لتكثيف أعمال العنف بصورة أثارت انتقادات موسعة حول أداء الوزارة، وسط مطالب بإقالة الوزير ومحاكمة الرئيس محمد مرسي، كونه المسؤول السياسي عما يجري إبان غرق الشارع في بحار من الدماء.

وحدد مراقبون أربعة أسباب لعودة عصا الداخلية مُجدداً، واستعادة شبح القبضة الأمنية القمعية لوزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، أول تلك الأسباب: لجوء المتظاهرين أنفسهم لتكثيف أعمال العنف والتخريب ضد المنشآت العامة والخاصة، والخروج عن مبدأ سلمية التظاهرات، فضلًا عن ارتفاع سقف مطالبهم، لدرجة المطالبة بإسقاط الرئيس الذي يحظى بالشرعية الدستورية من خلال أصوات الناخبين التي حصل عليها في الانتخابات الرئاسية. وهنا يؤكد الخبير الأمني أحمد العقباوي، أنه «من الطبيعي جداً أن تظهر علاقة طردية بين ارتفاع سقف مطالب المتظاهرين، ولجوئهم للعنف للتعبير عن تلك المطالب، وارتفاع حدة عنف الداخلية التي تقوم بمهامها في درء أية تجاوزات».

صلاحيات

أما السبب الثاني: وجود صلاحيات لقوات الداخلية، تتيح لهم تكثيف استخدام العنف مع تزايد فعاليات المعارضة وتكثيفها أيضاً للتظاهرات في مختلف المحافظات، وبالتالي ارتفاع نسب احتمالية وقوع أعمال عنف من قبل المتظاهرين، ومن ثم أعطيت قوات الوزارة «بصورة رسمية أو بشكل ضمني» صلاحيات أكبر للتصدي للمخربين الخارجين عن سلمية التظاهرات، بلغت تلك الصلاحيات حد التعذيب داخل أقسام الشرطة والسجون، والسحل في الشوارع، على خطى النظام السابق.

أما السبب الثالث، وفق ما يراه الخبير الأمني، وكيل جهاز أمن الدولة السابق فؤاد علام: يتلخص في فساد العلاقة بين الشارع وقوات الأمن، دفعت للمزيد من الاحتقان، لدرجة أن كثيراً من المواطنين المصريين يعتبرون رجل الأمن عدوهم، وممثل للنظام الذي يعارضونه، وبالتالي يدخلون في اشتباكات متبادلة معه، وهو عامل نفسي بصورة أكبر من كونه عاملاً مادياً، كانت الداخلية نجحت في التعامل معه خلال الشهور الماضية، لكنها سريعاً ما عاودت ممارساتها القديمة، من منطلق تزايد الغضب الشعبي الذي عبرت عنه القوى المدنية بتظاهرات قوية، واضطرار الداخلية لمزاولة مهمتها في حماية الشرعية.

عناصر تخريبية

أما السبب الأخير: اندساس مجموعات من العناصر التخريبية التي يطلق عليها مجازاً «الطرف الثالث»، من أجل تعزيز روح الانقسام بين الطرفين (الشعب والشرطة)، ودعم عملية المواجهات المسلحة والاشتباكات بصورة كبيرة بينهما، وتستغل تلك الفئات أوقات الجدل على المشهد، والفترات التي تجتاح فيها التظاهرات مختلف المحافظات، من أجل القيام بتحركات تدعم رؤيتهم وفلسفتهم في اعتراض طريق الثورة.

ويثار بالساحة السياسية جملة من الشائعات، مفادها أن الداخلية والمؤسسات الأمنية لم ينجح مرسي في احتوائها بعد، وأن هناك علاقات متوترة بين الطرفين، وأنهم غير راضين عنه.

واشنطن تندد بانتهاكات الشرطة وتطالب بالتحقيق

 

استنكرت الولايات المتحدة بقوة العنف ضد المحتجين والاعتداءات الجنسية على النساء في مصر وطالبت الحكومة بإجراء تحقيق ومحاسبة المسؤولين، مطالبة الرئيس المصري محمد مرسي «ان يكون رئيسا لكل المصريين».

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند للصحفيين: «شارك المصريون في ثورتهم من اجل تحقيق الديمقراطية ومن اجل سيادة حكم القانون والحرية للجميع لا لمزيد من العنف ولا للاعتداءات الجنسية ولا لأعمال النهب والسلب».

وأردفت القول: «نستنكر بقوة أعمال العنف والهجمات التي وقعت في الآونة الاخيرة في مصر. انزعجنا بشدة من هذه الحوادث ومنها الاعتداءات الجنسية على نساء والتعدي بالضرب على رجل أعزل الأسبوع الماضي».

وأوضحت الناطقة الأميركية: «ندعو الحكومة المصرية إلى اجراء تحقيق واف وذي مصداقية ومستقل في جميع أعمال العنف والمخالفات التي ارتكبها مسؤولو الأمن والمتظاهرون وإحالة مرتكبيها للعدالة».

وبشأن موجة العنف الجديدة التي تشهدها مصر منذ 24 يناير الماضي قالت الناطقة الاميركية ان بلادها تحض الرئيس المصري محمد مرسي على «ان يكون رئيسا لكل المصريين». وشددت ان «المصريين قاموا بثورتهم من اجل الديموقراطية ودولة القانون والحرية وليس من اجل المزيد من اعمال العنف والاعتداءات الجنسية والسرقة».

وشهدت الأيام العشرة الماضية أعمال عنف بين محتجين وقوات الأمن قتل خلالها 59 شخصا.

وفي واقعة أثارت موجة من الغضب ظهر رجل في تسجيل مصور وهو يتعرض للضرب والسحل عاريا على أيدي الشرطة أثناء احتجاج أمام قصر الرئاسة يوم الجمعة الماضي. وأصيب مئات اخرون في أعمال العنف التي اندلعت على نحو متقطع عشية الذكرى الثانية للانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك.