إثر الصعود السياسي لجماعة الإخوان المسلمين تعمّق شعور لدى جموع المصريين المعارضين لسياسة الإخوان «بالانفصال» عن الدولة وكأن البلد «أضحت ملكا أو حكرا على تلك الجماعة» وهو الشعور الذي بقصد أو بدون قصد دعمته الجماعة من خلال سياستها الاستحواذية التي سعت للاستئثار بالساحة السياسية بشكل عام خاصة من خلال تهميش قوى المعارضة والأصوات المناهضة للإسلاميين. وبينما اعتبر البعض دعوات الانفصال ناقوس خطر، رأى آخرون أن ذلك ضرباً من الخيال.
وفي هذه الأجواء راحت قرى ومحافظات تترجم ذلك الشعور بالانفصالية عن الدولة من خلال إعلان استقلالها وتشكيل إدارة ذاتية لأمورها الداخلية وهي الخطوة التي وصفها مراقبون بـ«غير الجادة» أو غير القابلة للتنفيذ بصورة عملية إلا أن البعض اعتبرها «ناقوس خطر» بشأن ما وراء تلك الأفكار غير مطروحة التنفيذ بشكل عملي من مخاطر تتعاظم أولها «مدى إمكانية أن تكون تلك الخطوات بمثابة مقدمة أو إرهاصات أولية لشبح وخيم يُهدد المشهد وهو تقسيم مصر على غرار السودان أو ما إلى ذلك».
وثاني تلك المخاطر هو ما يحمله من رسالة جادة للسياسيين بأن هناك شعورا لدى فئة كبيرة من الناس بـ«الكفر بالثورة» ما يدفعهم دفعاً من أجل البعد عن المشاركة المجتمعية وتعميق الهوة بينهم وبين المسؤولين ما يدفع إلى مواجهات مستقبلية ربما تتسم بالعنف وتنذر بـ«ثورة جديدة».
دعوات سابقة
دعوات الانفصال ليست وليدة اليوم لكن مصر شهدتها منذ أعوام طويلة أبرزها واقعة إعلان مدينة زفتى في محافظة الغربية استقلالها عن المملكة المصرية المحتلة من قبل بريطانيا آنذاك في 23 مارس 1919 وآخرها تهديدات أهالي بورسعيد بالانفصال عقب قرار الرئيس محمد مرسي فرض حظر التجوال والطوارئ، ورفع الأهالي والمتظاهرون علماً مغايراً لعلم مصر.
وسبق تلك الخطوة من مدينة المحلة الكبرى بالانفصال أيضًا في أعقاب الإعلان الدستوري الذي أصدره مُرسي في نوفمبر الماضي.
ناقوس خطر
وحين حرق أهالي بورسعيد العلم المصري ورفعوا علما مغايرا، رأى البعض أن ذلك «ناقوس خطر» بشأن المستقبل في ظل تلك الانقسامات ووجود بعض الأقليات.
من جانبه، يقول المفكر القبطي إكرام لمعي في تصريحات لـ«البيان» إن ثورة يناير أظهرت أن مصر عصية على التقسيم أو التفرقة بين عناصرها خاصة أن شباب الكنيسة وشباب المسلمين تولّدت لديهم الآن روح تؤكد أن أولويتهم هي لمصر ما يعني أنهم يضعون استقرار البلد نصب أعينهم حتى لو خالفوا بذلك قراراً أو تعليمات الكنيسة فمن الممكن أن يخالفوا تعليمات الكنيسة في أي حدث ما انتصارا للوطن وهذه ثمرة من ثمار 25 يناير التي جمعت المصريين حول حلم وهدف واحد.
ويرى أن إمكانية وجود دولة دينية «نادر في العالم» وعند النظر إلى الخريطة العالمية يتضح أن الحكم الديمقراطي اكتسحها وأصبح هناك وعي، مشددًا أن وعي المصريين سيمنع الاستبداد الديني أو الحكم الديني، مؤكدًا أن عصر الأجيال «المدروشة» سواء من المسيحيين أو المسلمين انتهى ولو حاول المسلمون أو حاولت الكنيسة أيضًا تحويل مصر إلى سلطة دينية سيفشلون.
وحدة الشعب
بدوره، يشدد أستاذ التاريخ الاجتماعي محمود متولي أن تقسيم مصر «أمر شبه مستحيل» لأسباب تاريخية وجغرافية وبشرية تتصل بوحدة الشعب، معتبرا أن التطورات السياسية «لا تنذر أبدا بتشرذم أو تفتت مصر بأي حال من الأحوال»، خاصة أن هناك إصرارا من الشعب بأن تتحقق نتائج الثورة بشكل عام وأن تكون تلك النتائج عامة على كل المحافظات ومن ثم فهم يقفون ضد رغبات أي من القوى السياسية التي تحاول أن تحيد أو تبتعد عن طريق مكتسبات الثورة بكافة السبل والدليل على ذلك هو حجم التظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها مصر.
أيادٍ خفية
تنتاب الساحة السياسية تخوفات عديدة بشأن تلك «الأيادي الخفية» والتي كانت جميع الأنظمة السياسية السابقة تتحدث عنها باعتبار مصر «مستهدفة».. لكن يظل سيناريو «التقسيم» الذي اعتبره الباحثون «واحدا من أولويات الدول الخارجية» وفقا لمنظومة العبث بخرائط الدول العربية بما يخدم أيديولوجيات واستراتيجيات أميركية ـ إسرائيلية.
