البرد القارس الذي يضرب اليمن جعل أجساد الفقراء الهزيلة أصلاً ، تجوب الأسواق بحثاُ عن الأرخص ثمناً والأكثر دفئاً والذي لا يتوفر إلا في اسواق الملابس المستعملة التي تعرض سلعاً تلائم قدراتهم الشرائية وتدوم طويلاً .
ومع اشتداد موجة البرد غزت محلات الملابس المستعملة كل أحياء مدن العاصمة صنعاء تقريباً ،والمنظر المعتاد في شوارعها الرئيسية، افتراش باعة الملابس البالية الأرصفة ، فيما الزبائن يتحلقون بحثاً عن قطعة ملابس تخفف عنهم لسعات البرد.
الكاتب والصحافي اليمني محيي الدين جرمة في تعليقه على ذلك أرجع تزايد اقبال اليمنيين على الملابس المستعملة إلى جملة من العوامل أبرزها : تراجع دخل الفرد وتوالي الأزمات الاقتــصادية التي تطحن البلاد والتي اوصلت الكثيرين إلى حالة انكشاف معيشي واقتصادي ، وهناك حوالي 12 مليون شخص يمثلون نصف السكان اصبحوا في عداد الفقراء ويحتاجون للمساعدة.
سوق الخردة
وتدني دخل الفرد إلى الحدود الدنيا أوجد صعوبة على صعيد توفير الاحتياجات المعيشية الأساسية الأمر الذي حدا بالكثيرين لخيارات تتلاءم مع قدراتهم الشرائية والاستهلاكية ، ولذلك اتجه مزاج البعض إلى زيارة الأسواق التي تتناسب مع دخولهم .فبرزت خيارات ما يسمى بسوق "الخردة"أو "الإستوك" والمخصص لإستيراد ملابس "بند" بعضها مستعمل ، أو جله والآخر قد يوازي جودة ما تعرضه فترينات المعارض الفاخرة، المستجلبة سواء من الصين أو تركيا وهنغاريا وغيرها .
ويعزي رئيس اتحاد رجال الأعمال عبدالسلام الأثوري لجوء المواطنين إلى أسواق الملابس بسبب الفساد ونهب الاموال من قبل قلة حرمت الناس حقها العادل في الثروة ووسعت نطاق الفقر بشكل غير مسبوق .
ندرة الموارد
ويشاطره الرأي محيي الدين حرمة قائلاً : المشكلة الأساسية والجوهرية لتشخيص الحالة اليمنية وما وصلت إليه ،هو أنها ليست ندرة الموارد بل مشكلة سياسية مزمنة ومتقادمة حتى أخذت طابع الاستحواذ بالقوة وهيمنة التحالفات التقليدية على الثروة والسلطة - مربع تحالف تاريخي تمثل في تشبيك المصلحة الضيقة بين كل من الدين السياسي ، العسكر والسلطة والقبيلة وقد أقصى المربع الغالبية العظمى في المجتمع من معيار العدالة الاجتماعية في ثروة الوطن. ويرى بائع الملابس المستعملة علي محمد أن الاقبال على القديم لم يعد مقتصرا على الفقراء وحدهم بل ان بعض الميسورين يقصدونه أيضاً من أجل الحصول على بضاعة ذات جودة عالية ،لأن مايوجد في الأسواق على حد تعبيره ،من الأنواع الرديئة القابلة للتلف السريع ، فضلاً عن أن الملابس المستعملة التي تباع تأتي من دول غنية ويستعملها أثرياء لفترة ثم يتخلون عنها وهي لاتزال في حالة ممتازة إن لم تكن جديدة .
ويقول التاجر علي عبده أن أكثر الملابس التي يبيعها هي في حالة جيدة جداً ،وتحديدا المتعلقة بالأطفال فبنية الصغير والمراهق في البلدان الغنية تتغير بشكل متسارع ، نتيجة التغذية السليمة والرعاية الصحية الشاملة بينما أطفالنا وشبابنا أجسادهم هزيلة وحتى الكبار من الرجال والنساء بنياتهم نحيفة ويمكن أن يرتدوا ملابس أطفال أوروبا ، لذا يأتي الينا زبائن من الأعمار كافة.
ويبقى القول أن ما لحق باليمنيين من حيف وجور على مدار العقود الماضية أثر على قدراتهم الشرائية وحرمهم من الثروة ، إلا أن أسواق المستعملات والخردة قد خففت آثار الظلم والحرمان .
