نزفت عيون أمونة دموعاً جرت في شرايين الشوق تحرق القلب وتجرح الروح، ورددت حين سألنا عن حال ولدها "مِن َورى القضبان لَوَدي سلام.. رَوْح يا عيسى وطالت الأيام"، وتابعت أمونة بكاءها تردد مراراً وتكراراً "لم يبق من العمر إلا أيام..... لكنها أيام حزن وأسى". تلك العيون لم تعرف سوى الدمع منذ اعتقل ابنها عيسى عبد ربه - أقدم أسير فلسطيني في محافظة بيت لحم - من سكان مخيم الدهيشة للاجئين في أكتوبر عام 1984 بتهمة مقاومة الاحتلال، تكالبت عليها الأيام حتى أقعدها المرض، ورغم انحناءة ظهرها لكنها تأبى الانكسار، ولم تفقد الأمل في لقاء الحبيب، وعناق أنفاسه، وضم جسده الثائر إلى حضنها الدافئ، طوال 29 عاماً مضت تطارد خيال عيسى في زوايا البيت، وتمسح على أغراضه في حزن ينتشر في حناياها كالنار في الهشيم مع كل نبضة في القلب، ومع كل قطرة دم تسير في جسدها المريض، المثقل بالألم والمعاناة.
بكرسيها المتحرك، والنقالة الحديدية التي تستعين بها أثناء المشي في صراع مع ما تبقى لها من أيام في الحياة، تلاحق أمونة والدة عيسى عبد ربه، البالغة من العمر81 عاماً، ابنها من سجن إلى آخر، لم تنقطع يوماً عن زيارته، متوشحة بالأمل تنادي "لن يغلق السجن على أحد". صوتها صار معروفاً، وحضورها الطاغي في كل اعتصام أو إضراب عن الطعام مع الأسرى، هي عنوان وسائل الإعلام، يسيرون إليها باحترام، ويطوفون من صبرها إلى صبرها، ويسعون بين حديثها وأخبار ابنها داخل سجون وزنازين الاحتلال.
قالت أمونة عن ذلك اليوم "الله لا يوَرْيه لَا لَمُسْلِم ولَا لَمَسْيحِي" وقصت علينا حكاية ابنها الثائر الذي دخل عليها البيت عام 1984 مضرجاً بالدماء، بعد أن قام بعملية ضد الاحتلال ثأراً لابن عمه الطفل الصغير الذي أخذه جنود الاحتلال من أمام المخيم وببساطة قتلوه. قالت لهم "ادخلوا البيت بسلام، واخرجوا بسلام"، بعد أن كانت قد وضعت سلاح ابنها على عتبة البيت وتركته في الطابق العلوي يغتسل من الدم الذي غطاه حين خرج طالباً ثأره. دخل جنود الاحتلال البيت بالمئات، وأخذوا ابنها الذي لم يعرف للعودة طريقاً حتى يومنا هذا، وقالت أمونة "أَوْصِيْتَهْ ما يخاف، وصَاح في المحكمة - انتقمت لصبرا وشاتيلا، وسَدْيت ثار ابن عمي - والله العظيم نطقها، وقالولا بتعرف قديش حكمك يا عيسى؟ قلهم بِهِمْنِيْش قد ما بدكم احكم فقالوا: حكمك مدى الحياة وثلاث دقائق وثلاث ثوان". وتابعت أمونة "اخته زغردت وأنا حضنتها ومقبلتش أفلتا".
خيبة أمل
كان الأمل كبيراً في قلب ام عيسى وظلت تستمع للتلفزيون عله يكون بين أسامي الأسرى و«ما جابوا سيرة ابني» كما تقول .
تعرض عيسى عبد ربه ابن مخيم الدهيشة خلال أسره إلى العزل والقمع والتنقل من سجن إلى آخر، كغيره في سجون الاحتلال. وتوفي والده خلال وجوده بالسجن، لمرضه بآلام في القلب.
