تعد الدولة المدنية التي يريدها الجميع ان تقوم على أسس من القوانين الوضعية النابعة من الحياة التجريبية، التي لا تتعارض مع القوانين السماوية، أو مع مصالح الناس، وتؤصل لمفاهيم التواضع والتسامح والحوار الذي تقاوم فيه الأفكار بالأفكار، بعيدا عن التطاحن أو التكفير كما أن الطموح الشعبي ببناء دولة مدنية تعرض لانتكاسات خطيرة في سياق الربيع العربي، في سياق وصول الاسلاميين للسلطة في بعض الدول.
يقول الكاتب والاعلامي الأردني المقيم في سلطنة عُمان ياسر قبيلات، إن القوى الإسلامية ليست مؤتمنة على طموحات التغيير، خاصة اذا كانت تتجه نحو بناء دولة مدنية. وبروز الاسلاميين يعني سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الطموحات. وفي الواقع العملي، فما يجري عربيا لا علاقة له بأنظمة الحكم، فعلاقته بقوى الحكم. ما جعلنا نشهد عمليات تسلم وتسليم للسلطة، لا تغييرات اجتماعية واقتصادية بالمعنى المفهوم. وما حدث هو انقلابات ركبت على موجة انتفاضات شعبية، وليست ثورات. فالانقلابات عادة تأتي بـ"العسكر"، والآن جاءت بالقوى الدينية المتطرفة، وهم مثل العسكر أعداء للدولة المدنية، ولا يمكن الوثوق بهم مهما قطعوا من وعود. والأنظمة الجديدة لن تقود دولنا إلى بناء تجربة موازية ومشابهة للتجارب التركية والماليزية والأندونيسية. وهي تجارب لا علاقة لها بالقوى الدينية والاسلام السياسي. والحزب الذي يحكم يكون ضمن شروط الدولة، وقوانينها، ومعادلاتها، وأعرافها المستقرة. وبالمقابل لا نستطيع إلا أن نلاحظ أن الطموح الشعبي ببناء دولة مدنية تعرض لانتكاسات خطيرة في سياق الربيع العربي، بسبب وصول الاسلاميين للسلطة في بعض بلدان العالم العربي. وتطبيق الشريعة ليس أمراً جديدا، بل فكرة تمت تجربتها مرات عديدة، وكانت نتيجتها ايجاد بعض الدول الفاشلة التي ترزح تحت الفساد المستشري، وتتهاوى تحت الفشل الاقتصادي، والانهيار السياسي، وتنتهي لاضطراب مسلح ودموي يقود لتمزيق النسيج الاجتماعي واغراق البلاد في فوضى.
أما رئيس تحرير مجلة طريق المستقبل محمد محمود عثمان فإنه يؤكد أن لا شك في أن الأحزاب والجماعات الاسلامية العربية، وتحديدا ما اعتلى منها السلطة قفزا على الأحداث، أو ركوبا للموجات الثورية شكلت نمطا برجماتيا فجا، ربما نتيجة للظروف التي عاشت خلالها تحت الأرض أو لعمليات الكبت والتعذيب التي تعرضت لها، لعقود طويلة أو لأنها أصيبت نتيجة لذلك بحالة من الهلع إلى السلطة وإثبات الذات وأفقدها ذلك التوازن فانعكست آثاره سلبا بكبت الأصوات لمنعها من إبداء الرأي ولو كان موضوعيا وهدفه الصالح العام وهي سلوكيات يرفضها الإسلام ولا تقرها مبادئ الدولة المدنية من منطلق أن الدين لله والوطن للجميع. والتشدد في تطبيق الشريعة بعيدا عن الوسطية يعتبر نوعا من الجهل بمقتضيات الدولة الحديثة، والبقاء في السلطة أباح إطلاق فتاوى تكفر البعض لمجرد الاختلاف في الفكر والرأي. وفي المقابل نجد الإمارات كدولة عصرية تحتضن على أرضها أفرادا من جنسيات تمثل مختلف بقاع العالم، وتحرص على حريتهم في العبادة والعمل والإبداع.
