حرب باردة هي تلك التي تدور رحاها الآن في عالم صناعة الكتاب بمصر، طرفها الأول أصحاب دور النشر الكبرى ذات السمعة العالمية والإقليمية وحتى المحلية، حيث تفرض بعض الدور شروطاً غير عادلة لنشر وتوزيع الكتاب، بينما يسعى بعضها الآخر إلى تحسين الظروف خاصة ما يتعلق بحقوق المؤلف والقارئ والناشر.
ويتمثل الطرف الآخر للمسألة في تجار بيع الكتب المستعملة، بسور الأزبكية، وسوق النبي دانيال، وعلى الأرصفة والشوارع، حيث يعتبر بعضهم ان ما يقومون به جزء من معادلة صناعة الكتاب، ويأملون في التعامل معهم بشكل تكاملي، ويرى آخرون أن المسألة مستحيلة، وأن جشع الكبار لن يتيح لهم حتى الفتات، ومن هنا يلجأ البعض لإنتاج النسخ المقلدة؛ لتبدأ الحرب الحقيقية تلك التي تجعل الجمهور يقف إلى جوارهم وفي وجه أباطرة الكتب الذين يتلاعبون بأسعارها في القاهرة ويجنون من ورائها الآلاف.
أحمد محمد صاحب تجربة ورأي يوضح مدى تفاعل الطلبة والشباب مع صغار الباعة في مواجهة الكبار ممن لا يراعون الظروف الاقتصادية للشباب. مكانه على الرصيف المقابل لجامعة القاهرة، حيث ضاق به سور الأزبكية، وشعر أن ثمة فراغاً يعانيه طلبة الجامعة، فجازف برصيف قد يتعرض للطرد منه في أي لحظة، يقول: لا أحد هنا غيري، والبلدية والحي يعرضوننا للكثير من "البهدلة" بمداهمتهم المكان، ولا حل سوى الهرب.
ويتعجب للمطاردة من منطقة يفترض أن تكون مركزاً لتجارة الكتب لموقعها جوار جامعة القاهرة وهي المنفذ الوحيد لكليات التجارة والآداب والحقوق، أنا ابن المنطقة إلى أين أذهب؟ وعملي لحسابي أفضل كثيراً من العمل لدى آخرين.
ويعلق على قضية تزوير الكتب في مصر بقوله "التزوير يكون عادة بإرادة الناشر الأصلي، وليس المزور". فلو احترم الناشر الأصلي القارئ ووضع أسعاراً مقبولة للكتاب لما تجرأ صغار الناشرين على التزوير، فمثلا كتاب "السر" تبيعه المكتبات الكبرى بـ90 جنيهاً، والنسخة المزورة بمبلغ 17.5 جنيهاً، وأبيعها بعشرين جنيهاً فقط.
إعادة نظر
مشكلات الكتاب في مصر لا تتمثل في تزوير الكتب وحسب، هكذا يقول حسين عادل حسين، أحد باعة سور الأزبكية في القاهرة، فمستوى الكتب المنشورة في مصر بحاجة إلى إعادة نظر، ويجب أن تكون هناك لجان للقراءة. ويتذكر أيام كان والده يشتري مرتجعات دور النشر الكبرى، فالكارتونة الواحدة من الكتب ذات العيوب سعرها يتراوح بين 300 و500 جنيه، والآن النسخ المقلدة باتت تحل محل الأصلية. ولا يقر حسين بأن ثمة نهضة بشأن الكتاب والقراءة موجودة في مصرالآن، بل للأسف فإن نسبة القراءة ضعيفة بسبب التكنولوجيا، لكن هناك بعض الكتب التي جذبت الشباب أكثر من غيرها لأحمد خالد توفيق، وعلاء الأسواني، وأحمد حلمي وبلال فضل.
مأساة الكتاب
يعتبر حربي محسب واحداً من أقدم باعة الكتب في سور الأزبكية بالقاهرة، وهنا يقرن بين مأساة الكتاب في مصر، ومأساة بائعيه، فيقول: المسألة كلها تتلخص في ما يجري بيننا وبين اتحاد الناشرين، فهي خصومة قديمة، يرجع تاريخها إلى دخولنا معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث بدأت المنافسة، حتى إنهم وقبل قيام الثورة بحوالي خمسة أعوام بدأوا يطالبون العاملين في سور الأزبكية بعدم المشاركة في المعرض بتهمة أننا نشوه قيمة المعرض وشكله.
ويشكو خالد الشامي صاحب إحدى المكتبات بسور الأزبكية، من طريقة تعامل كبار الناشرين ومنظمي المعارض مع صغار الباعة الموجودين بالسور وباقي الأرصفة، والكساد الاقتصادي سبب تراجعاً في الإقبال على المعارض، الأمر الذي يهدد مستقبلنا ومستقبل المعارض في السنوات المقبلة.
