نجحت فصائل التيار الإسلامي في عدد من الدول عقب ما يعرف بـ"الربيع العربي" في أن تحجز لنفسها مساحة تواجد قوية على المشهد السياسي ، بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، تسلل خلالها الإسلاميون إلى بيوت عربية، وحجزوا مساحات تأييد واسعة من خلال خطابهم الديني، وعبر قنواتهم الفضائية لتنفتح الساحة السياسية أمامهم، ولتصبح جاهزة تمامًا لاستقبالهم كفصائل سياسية قوية، بعد تهاوي الأنظمة السابقة، بعد نجاح ثورات الشعوب الباحثة عن التغيير.
وبات السؤال المُثار دومًا في الشارع المصري يبحث عن آليات تطبيق ذلك التوازن في ظل طموحات الإسلاميين في بناء دولة إسلامية بمؤسساتها المختلفة، وسط تخوف موازٍ في صفوف الأقباط والليبراليين وكافة أنصار الدولة المدنية بشكل عام من إرهاصات ذلك التحول الذي تشهده مصر، والطريقة المثلى في تحقيق ذلك عبر التوازن المنشود.
في هذا الشأن يقول القيادي وعضو الهيئة العليا بحزب النور، الدكتور طارق فهيم، إن التوازن بين تطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة على مدنية الدولة، يتولد في الأساس من تبني الفصائل الإسلامية فلسفة لطرح البدائل الإسلامية بكافة المؤسسات والأصعدة في منافسة البدائل المتاحة الآن، بحيث يكون الشارع كله أمام خيارين، وعليه أن يختار وفق توجهاته الرئيسية ومرجعيته، بحيث لا يُفرض الإسلام على أحد، إذ يجب طرح مصارف إسلامية بجوار البنوك التجارية العادية، ودون أدنى تغيير في النظم المعمول بها، ما يسهم في إرساء قواعد التعددية في مصر، ودعم الديمقراطية دون مخالفة شرع الله، ومع احترام الآخر المختلف في الهوية والمرجعية.
وقال الناشط القبطي، إكرام لمعي، إن الرهان الوحيد الذي يقف حائلا دون تمرير الدولة الدينية، ويضمن استمرار التوازن بين الدولة المدنية ورغبات الإسلاميين في تطبيق الشريعة التي لا تنتقص من حقوق الأقليات، هو الشارع المصري، والذي سوف ينتفض في وجه أي محاولات للعدول عن مدنية الدولة، والتي يطمح فيها الجميع الآن.
ويشير رئيس حزب التجمع اليساري، الدكتور رفعت السعيد، إلى أن الثورة نفسها قامت من أجل دولة مدنية، وللتخلص من الحكم البوليسي، ما يعني أن الشعب المصري وحده هو القادر على أن يقف ضد أي محاولات لأسلمة الدولة أو فرض الدولة الدينية، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية لا تهدف لإقصاء الآخر أو ما إلى ذلك، لكن المشكلة الحقيقية تظهر في فلسفة الإسلاميين في الحكم بشكل عام، وخاصة أن معظمهم متهورون ويعملون من أجل مجد شخصي لإخوان مصر، ولمكتب الإرشاد، وعليه، فإن الضمان الرئيسي الآن هو مدى استقلالية الرئيس عن إخوان مصر، والتزامه بتعهداته في دولة مدنية يحميها القانون -كما أكد.
إلا أن وكيل مؤسسي حزب النهضة، الدكتور محـمد حبيب، أكـد أنـه لا يوجد في الإسلام ما يسمى بـ"الدولة الدينية"؛ لأن الدولة في الإسلام دولة مؤسسات، وبها فصل للسلطات مع توازن بينها، وأن مصر في عهد الدكتور محمد مرسي لن تكون إلا دولة مدنية، وتراعي حقوق كافة الفئات، وتراعي تطبيق الديمقراطية والتعددية.
وتؤكد الناشطة السياسية، مارجريت عاذر أنه خلال المراحل الانتقالية تظهر حالات من الانقسام والتخلخل داخل المجتمعات إلى أن تصل إلى أرضية مشتركة، ويمـني الشـعب المصري نفسه أن تتمثل تلك الأرضية في الدولة المدنية، التي تعهدت القوى السياسية جميعها بتبنيها، مشيرة إلى ضمان توازن المصالح بين تطبيق الشريعة الإسلامية والدولة المدنية نفسها هو أن يكون هناك دستور معبر تعبيرًا صادقًا عن المجتمع المصري، ولا يسيطر عليه قوى أو فصائل محددة كما يحدث الآن، خاصة والدستور هو الأساس الذي تبنى عليه الدولة بصفة عامة.
