أحيطت الرواية الإسرائيلية حول الغارة الجوية على أهداف سورية بكثير من الأضواء في واشنطن. خاصة تقديمها على أنها كانت عملية استباقية اقتضاها أمن إسرائيل وخشيتها من وصول شحنة أسلحة خطيرة إلى حزب الله في لبنان. النوعية جاءت المعلومات ملتبسة بشأنها، تراوحت بين «التخوف من أسلحة كيماوية أو مضادة للطيران قد تحرم إسرائيل من حرية الحركة فوق لبنان».
شكوك وتساؤلات
لكن بين سطور التغطية والردود الأميركية حولها، بقيت الرواية محل شكوك وتساؤلات مبطّنة. لماذا تتخلى سوريا الآن عن أسلحة هي بأشد الحاجة إليها؟. ثم لماذا ترسل السلاح إلى غيرها في اللحظة التي استطاعت فيها قواتها وقف تقدم المقاتلين بسبب شحّ الدعم العسكري لهم؟. وإذا كانت إسرائيل تخوّفت فعلاً من وجود سلاح كيماوي في حمولة الشاحنات، فلماذا قصفها الذي قد يتسبب بكارثة في صفوف المدنيين وعدم اعتراضها في مكان ما قرب الحدود؟. ثم هناك التوقيت. فهل صدفة أن تقع الغارة وسط تنامي الحديث عن صفقة روسية أميركية في المنطقة تشارك فيها إيران؟. زاد من التساؤل أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي تمر في لحظة تسلّم وتسليم بين فريقيها السابق والجديد والتي امتنعت كلياً عن التعليق العلني على هذا التطور، تعمّدت تسريب نفي بـ«عدم وجود أدلة على حمولة كيماوية في الشاحنات المستهدفة»، وكأنها بذلك تضع علامة استفهام كبيرة حول الذريعة الإسرائيلية ومحاولات تسويقها.
وسط هذا الغموض والالتباس والتساؤلات، يرجح الاعتقاد أن غرض الغارة سياسي أكثر مما هو عسكري. وبذلك، فهو يحمل عدة رسائل إلى من يهمهم الأمر. منهم أطراف الصفقة التي لم يستبعد المبعوث الخاص الاخضر الإبراهيمي تحقيقها، رغم الصورة المتشائمة التي رسمها تقريره إلى مجلس الأمن. الفحوى أن أي صيغة قد يتم التوصل إليها بخصوص الأزمة السورية، لا بدّ وأن تأخذ الحسابات الإسرائيلية بالاعتبار؛ وإلاّ فإن تل أبيب جاهزة لـ«الفركشة» من مدخل السلاح الكيماوي والتذرع بخطر وقوعه في أيدي خصومها.
استدراج وإحراج
ويربط بعض المراقبين بين تصريحات صدرت مؤخراً عن مسئولين إيرانيين حملت تحذيراً بأن «أي عدوان على سوريا هو عدوان على إيران» وبين الغارة، من باب أنها رسالة إلى طهران ومعها حزب الله؛ إما بغرض الاستدراج وإما للإحراج.
مهما كانت الدواعي، فإن الغارة تشكل بداية دخول إسرائيلي على المشهد السوري ومشتقاته. وهو دخول مهدت له إسرائيل في الآونة الأخيرة من بوابة السلاح الكيماوي، بل السلاح التقليدي المتقدم، بحسب تصريحات مسؤوليها في أعقاب الغارة. وهذه إضافة لتوسيع مجال التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا في التوقيت المناسب للدولة العبرية. تطور لا يزيد فقط من تعقيد الوضع السوري وعرقلة المساعي السياسية المستعصية حتى الآن، بل أيضاً يزيد من المخاطر المحيطة بالبلد ككيان ودولة.
استدعاء واحتجاج
تقدمت دمشق أمس باحتجاج رسمي إلى الأمم المتحدة على الغارة الاسرائيلية التي استهدف فجر الاربعاء مركزا عسكريا للبحوث العلمية. واعلنت وزارة الخارجية السورية، بحسب ما نقلت عنها وكالة الانباء الرسمية، انها «استدعت قائد قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل اللواء اقبال سنغا، وبلغته احتجاجها الرسمي على الانتهاك الاسرائيلي لاتفاق فصل القوات لعام 1974 والالتزامات التي يرتبها ذلك الاتفاق».