بنظرات زائغة حائرة، ووجه شاحب يبدو عليه أثر التعب والملل، وبكلمات متقطعة، يتمتم عنصر أمن مركزي مصري في محيط فندق سميراميس القريب من ميدان التحرير، وهي المنطقة التي تشهد أعمال عنف متتالية منذ أيام، قائلا: «حرام ما يحدث لنا».

«الأمن المركزي» قوات شبه عسكرية وأحد أجهزة الشرطة المصرية التي تقع تحت سيطرة وزارة الداخلية. عرفهم الشعب المصري منذ حوالي 36 عامًا، وبالتحديد منذ العام 1977 حينما اشتعلت انتفاضة شعبية قوية إبان عهد الرئيس الراحل أنور السادات ضد قرارات حكومية برفع أسعار بعض السلع الرئيسية سماها السادات نفسه بـ«انتفاضة الحرامية»، فتقدّم وقتها وزير الداخلية آنذاك النبوي إسماعيل مقترحًا بتشكيل جهاز الأمن المركزي لحفظ الأمن بالشارع المصري وقت الأزمات وهو ما وافق عليه السادات. وينضم المجندون للجهاز من الأميين والذين يحملون مؤهلات علمية عليا أو متوسطة.

الرقم الصحيح

ويُعد ضباط الأمن المركزي الرقم المؤثر في معادلة الأمن المصري، حيث تستخدمهم الأنظمة السياسية لقمع أو تأمين التظاهرات والاعتصامات المختلفة التي تشهدها مصر. وهم مجندون يعانون مشكلات كثيرة، حيث يواجهون ظروفا معيشية صعبة للغاية، ويتعرّضون بصورة يومية لمضايقات إما من قادتهم أو من الشارع، ودائمًا ما يتم التعدي عليهم من قبل المتظاهرين؛ ليسقط منهم ضحايا ومصابون، وخاصة خلال العامين الأخيرين منذ انطلاق ثورة يناير وحتى الآن.

وحاولت قوى ثورية وسياسية التقرب من قوات الأمن المركزي بضمهم إلى الثورة انتصارًا لأنفسهم ورفضًا لأوضاعهم، حيث ظهر جليًا من خلال لغة الحوار الذي تمت بين المتظاهرين وقوى الأمن المركزي من 25 إلى 28 يناير 2011 قبل انسحاب الداخلية ونزول القوات المسلحة. إذ حاول النشطاء والمتظاهرون التأكيد للأمن المركزي على كونهم من نسيج الأمة، وعلى أن مطالب الثورة هي جزء لا ينفصل من طموحاتهم ومشكلاتهم وليست منفصلة عن واقعهم، وهو ما يحاول البعض التلميح إليه الآن خلال التظاهرات التي تنشب ضد الرئيس محمد مرسي. إذ دعا نشطاء الأمن المركزي للثورة على غرار ثورتهم إبان عهد الرئيس السابق حسني مبارك التي اضطرته إلى الاستعانة بالقوات المسلحة لتأمين البلد وفرض حظر التجوال.

بيان لنشطاء الداخلية

وتحدثت صفحات يديرها نشطاء من رجال الداخلية المصرية عن اقتراب تلك الثورة، إذ نشرت صفحة الشرطة المصرية منذ أيام بيانًا لها قائلة: «ضباط شرطة مصر يتحدثون.. أول أيام الغضب بالأمن المركزي.. كفانا أخطاء وانهيارات.. وكفانا تضحيات بدون مقابل.. وفشل أجهزة وفساد أنظمة.. نحن من سنتطهر من الأخطاء ولن نكون طعما للآخرين.. لا مكان للسلطة فوق جثثنا.. ولن تكون دماؤنا من أجل لا شيء.. ولن نكون عبيدًا للنظام.. اليوم لا تراجع عن حقوقنا.. اليوم لا يوجد مكان للجبناء.. اليوم إما نحن مع الشعب وحقوقنا أو ضد الجميع».

ودفعت تلك الدعوات مراقبين للتأكيد على حجم ما يعانيه الأمن المركزي من صعوبات، فضلًا عن سقوط أعداد هائلة منهم ما بين قتلى ومصابين في الاشتباكات والاحتجاجات التي تشهدها مصر خلال الآونة الأخيرة، ما دفعهم للتأكـيد على مطالبهم بوجود قانون خـاص يحميهم، ما وضعهم على شفا ثورة مُرتقبة.

موقف خبير

استبعد الخبير الأمني محمد العقباوي إمكانية اضطرار أو لجوء الأمن المركزي للثورة على أوضاعه، خاصة أن عقيدتهم التي تعلموها بالداخلية لا تسمح لهم بذلك، حيث ترسخت تلك العقيدة منذ انتفاضة الأمن المركزي في أثناء عهد نظام الرئيس السابق حسني مبارك، مؤكدًا في السياق ذاته على أهمية ضبط إيقاع أوضاع الأمن المركزي، وتدريبهم بشكل لائق على مواجهة المتظاهرين بطرق سلمية.