لا يخفي المسؤولون التونسيون خشيتهم من الوضع المتأزم داخلياً وإقليمياً، ففي حين تمر البلاد بحالة انقسام مجتمعي، و بصعوبات اقتصادية، وخلافات سياسية حادة واستقطاب ثنائي، تجد النخبة السياسية نفسها أمام مستجدات الوضع في المنطقة وخاصة في منطقة الصحراء والساحل، بعد التدخل العسكري الفرنسي في جمهورية مالي، وتمدّد الحركات الدينية المتشددة التي تسعى إلى نقل مراكز نفوذها من جبال أفغانستان الشاهقة الى صحراء إفريقيا الشاسعة.
وتحوّلت تونس خلال الأشهر المنقضية إلى ممرّ للأسلحة الحديثة وخاصة من ليبيا الى الجزائر، وكذلك الى خزّان بشري للإرهاب في الوقت الذي تعجز فيه الحكومة على ملاحقة ظاهرة التطرّف والتشدّد الديني، وتحوّل أكثر من مائة مسجد وعشرات الجمعيات والمنظمات الى منابر لتجنيد المقاتلين وإرسالهم الى بؤر الأزمات، كما انتقل المئات من أنصار حركة النهضة الى الجماعات السلفية، ممّا ذكّر التونسيين بدايات الحركة عندما كانت تتبنى خيار العنف ولا تخفي تعاطفها مع المجاهدين في أفغانستان ومع الثورة الإيرانية، وخاصة خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي.
انفلات وغموض
وتجد تونس اليوم نفسها أمام وضع متأزم في ليبيا، التي ماتزال حدودها مع تونس شبه مغلقة نتيجة ظروفها الداخلية الصعبة، وخلال اليومين الماضيين أعلنت دول من بينها فرنسا وبريطانيا وهولندا وألمانيا وأستراليا عن سحب مواطنيها من التراب الليبي، بعد توفّر معلومات عن عمليات إرهابية منتظرة، وعن اتساع دائرة الانفلات الأمني في ليبيا، وإمكانية نشوب حرب أهلية خصوصا في ظل يأس الدول الغربية من الوضع الحالي، الذي باتت فيه الأراضي الليبية منطلقا للسلاح والمقاتلين ومسرحا لتدريبات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وقالت مصادر مطلعة لـ«البيان» إن ليبيا باتت أمام حل من اثنين لا ثالث لهما، وهو إما سيطرة الدولة على أراضيها وفرض الأمن والاستقرار، أو التدخل الأجنبي المباشر في صورة لا تختلف عما يدور حالياً في جمهورية مالي.
وتنعكس هذه الأوضاع على تونس التي كانت تعوّل على حل جزء كبير من مشكلة البطالة في مشاريع إعادة البناء والإعمار بليبيا، وكذلك بجلب الاستثمارات الليبية، و الرفع من مستوى التصدير للجارة الشرقية، وهو ما بات مجرّد سراب إلى جانب تحوّل الحدود المشتركة مع ليبيا إلى مصدر للصداع الدائم لحكام تونس، وخاصة لحركة النهضة، التي كانت تطمح إلى إمساك الإخوان المسلمين بمقاليد الحكم في طرابلس الغرب، وتحقيق حالة امتداد عقائدي وسياسي واقتصادي بين تونس وليبيا ومصر.
حذر وتوجّس
وعلى حدودها الغربية، تعيش تونس حالة توّتر أخرى، في ظل محاولات بعض القوى الإقليمية زعزعة الأمن في الجزائر وضمّها الى قطار «الربيع العربي»، وهو ما يرفضه الشعب الجزائري، الذي كانت له تجربة مؤلمة مع الإرهاب استمرت لعقد كامل، وعصفت بمائتي آلف قتيل، كما أن الجزائريين يرفضون التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية، خصوصاً من دول الغرب.
وتعرف «حركة النهضة» التونسية أن الجارة الغربية غير مرتاحة لشعاراتها «الثورية»، ولارتباطها بالمشروع الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وعلاقاتها مع الأحزاب الإسلامية الجزائرية، ومنها حزب جبهة الإنقاذ، الذي يرتبط زعيمه عباسي مدني بعلاقات متميزة مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.
وخلال الاسبوع الماضي أعلنت الجزائر عن مشاركة 11 تونسيا في الهجوم على منشأة الغاز بمنطقة عين إمناس، حيث كان التونسيون الأكثر عددا من بين عناصر الجماعة التي قامت بالعملية والتي تنتمي إلى دول عدة.
وينظر الجزائريون بعين الريبة إلى الخطاب السياسي التونسي، وإلى اتساع دائرة التطرف الديني في البلاد، والوضع المتأزم في المناطق التونسية المتاخمة للحدود، مثل الكاف والقصرين وقفصة، وتحوّل المناطق الجبلية الحدودية إلى مسرح للتدريب على الأسلحة والاعمال الإرهابية والتعاون بين الجماعات المتطرفة من البلدين.
مثلث الارهاب
في المثلّْث الحدودي الجزائري التونسي الليبي، يلتقي الإرهاب والسلاح وتهريب المخدّرات وتسلل الجماعات المتطرفة، وخاصة على الحدود الجزائرية الليبية، الأمر الذي يجعل تونس تعيش حالة من الخوف، خصوصاً وأنها تعاني من هشاشة في اقتصادها، وباتت تعيش على الهبات والقروض، عكس ليبيا والجزائر البلدين اللذين يمتلكان ثروات باطنية من النفط والغاز، و أرصدة مهمة من العملات الأجنبية.