أكمل الرئيس الأميركي باراك أوباما تشكيل فريق إدارته الجديد للسياسة الخارجية وشؤون الأمن القومي. وتبقى موافقة مجلس الشيوخ على المناصب الوزارية فيه، وهي حاصلة بالرغم من مشاغبات اليمين وأنصار إسرائيل على تعيين تشاك هاغل على رأس وزارة الدفاع.

في الوقت نفسه تجمع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أوراقها للمغادرة، بعد إفادتها الأخيرة في الكونغرس حول حادثة مقتل السفير الأميركي في ليبيا في سبتمبر الماضي في بنغازي، وبعد أن تلقي آخر محاضرة لها حول تجربتها في الخارجية ودروسها يوم 31 من الشهر الجاري في «مجلس العلاقات الخارجية» بواشنطن، والذي يعتبر أحد أبرز المراكز الفكرية للنخبة السياسية في أميركا. لا يتوقع المعنيون بشؤون العلاقات الدولية وخبراء السياسة الخارجية في العاصمة الأميركية حصول تحولات فارقة في تعاطي الإدارة مع القضايا الدولية. المقاربة هي نفسها: السعي لفضّ النزاعات «بالطرق السلمية». عنوان التزم به أوباما منذ بداية ولايته الأولى. ثم كرّره مؤخراً في خطاب تدشين رئاسته الثانية.

الجديد، وليس المفاجئ، كان في أن اختياره السناتور جون كيري للخارجية خلفاً للوزيرة كلينتون، لم يتحدّد فقط على أساس كفاءته في هذا الحقل؛ بل أيضاً على أساس أنه الرجل المناسب للتغيير الاضطراري في أولويات اللحظة الراهنة. في حسابات واشنطن الاستراتيجية، بات الشرق الأقصى هو مركز الثقل وبالتالي محور الاهتمام . وقد لعبت الوزيرة كلينتون والبنتاغون دوراً ملحوظاً في تصويب التركيز الأميركي في هذا الاتجاه. كانت كلينتون حذرة من الدخول في تعقيدات الشرق الأوسط وأزماته. خاصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ويربط مراقبون حذرها هذا بـ«طموحها السياسي» المستقبلي. فالاعتقاد الكاسح أنها تتطلع إلى خوض معركة الرئاسة عام 2016. وعليه فهي تحرص على عدم استعداء المفاتيح الإسرائيلية من اليوم، لو كانت أكثر «هجومية» في تعاطيها مع ملف المفاوضات وتحايلات إسرائيل بشأنها. وهكذا كان أوباما. على الأقل قبل الانتخابات الأخيرة.

الآن تغيرت الحسابات بحكم ضغط الوقت وشحّ الخيارات. وأيضاً انتهاء الانتخابات. للشرق الأقصى أهميته الرئيسية. لكن استحقاقات الشرق الأوسط باتت ضاغطة الآن . النووي الإيراني على الباب . والأزمة السورية على المفترق. الرئيس أوباما ربما وجد أن عليه مغادرة سياسة شراء الوقت ومقعد المتفرجين. لكنه ليس في وارد العودة إلى سياسة التفوق «البوشية». وليؤكد ذلك جاء بمتمرّس في تنفيس الأزمات، إلى الخارجية؛ وبمعارض للتدخل العسكري المباشر، إلى البنتاغون. خياره أن يسعى إلى مخارج متاحة وبأقل كلفة ممكنة. وهذا ما اشارت إليه تلميحات كيري في جلسة استجوابه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، الأسبوع الماضي. وبالتحديد بخصوص سوريا. قال انه سيعمل على «العثور عن مسار يحمل الأسد على تغيير حساباته». يعني مغادرة الخط المبهم الذي جمع بين دعم المعارضة السورية وبين مواصلة الامتناع عن تسليحها. لكن البديل تركه في الظلّ. وفي هذا السياق تحدث عن «الحاجة إلى التعاون مع روسيا» بحثاً عن مخرج لأزمة سوريا. وبالرغم من ضغط الأسئلة، بقي الوزير في العموميات بخصوص ما يقصده من كلامه حول «ضرورة التباحث مع الكونغرس بشأن كيفية العثور على معادلة عملية» في هذا الخصوص.

الإدارة رسمت معادلتها. لا تتشاور مع الكونغرس مسبقاً بشأنها. السياسة الخارجية من صلاحيات البيت الأبيض وفريقه الخارجي. تقوم باطلاعه عليها لتسويقها. وثمة همس في واشنطن بأن كيري يتجه لتسويق سياسة تدويل الأزمة السورية من البوابة الروسية. لقاء أوباما وبوتين المتوقع، ربما في الشهرين القادمين، قد يكون الفرصة المواتية لصيغة مخرج يشمل النووي الايراني وسوريا بالنظر للترابط بينهما. نتيجة الانتخابات الإسرائيلية وتراجع الليكود واليمين فيها تعطي إدارة أوباما مساحة أوسع من التحرك للتوصل إلى تسوية مع طهران ليس بوسع نتانياهو في وضعه الراهن عرقلتها.