مثّلت القوات المُسلحة المصرية صمام أمان للمجتمع وأنقذت ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومنعت بحاراً من الدماء كادت تُغلف تلك الثورة حين أعلنت ذلك منذ أول يوم وطأت أقدامها فيه الحياة المدنية في 28 يناير 2011 حين استعان بهم الرئيس السابق حسني مبارك لتأمين الأوضاع عقب قيام الثورة ضده من ميدان التحرير، ومنذ ذلك الحين عقب الثورة بات الأمل أو الحل الوحيد الذي يتبادر لأذهان العامة هو نزول الجيش للحد من صراعات القوى السياسية وصداماتها التي ظهرت جليًا عقب انقضاء المرحلة الانتقالية وعودة الجيش لثكناته في 30 يونيو 2012، الأمر الذي دفع بالرئيس محمد مرسي إلى الاستعانة بالجيش لمحاولة فرض الأمن المفقود، ويرى البعض أنه أسرع الرؤساء استعانة بالجيش.

وكانت العلاقة المُباشرة للمصريين مع القوات المُسلحة أو الاحتكاك المُباشر بدأ منذ ثورة 23 يوليو حين نجح الانقلاب العسكري أو «ثورة يوليو» في الإطاحة بالملك فاروق وإنهاء عهد الملكية ومن ثم نجح العسكر في الصعود لسدة الحكم وظل الجيش بعد نجاح الثورة في ثكناته لم يستعن به رئيس الجمهورية الراحل محمد أنور السادات لتأمين الأوضاع عقب أن فشلت قوات الشرطة في التأمين في العام 1977 حين انتفض المصريون متظاهرين ضد السادات ونظامه وجاءت استعانة السادات بالقوات المسلحة عقب أقل من سبعة أعوام على توليه الرئاسة كان سبقها سابقة أخرى لنزول الجيش في العام 1968 خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أثناء المحاكمات العامة بعد أعوام طويلة من تولي عبدالناصر الحكم خلفًا لمحمد نجيب.

انتفاضة الأمن المركزي

ورغم التحديات التي واجهت نظام الرئيس السابق حسني مبارك إلا أنه لم يستعن بالقوات المسلحة إلا عقب مرور خمسة أعوام على توليه الرئاسة وذلك أثناء انتفاضة قوات الأمن المركزي في العام 1986، ولم يستعن بهم بعد ذلك إلا في العام 2011 حين خرجت الثورة مطالبة بإسقاطه.

وعقب مرور نحو سبعة شهور فقط على تولي الرئاسة استعان مرسي بالقوات المسلحة لاحتواء الأوضاع في مدن القناة، وخاصة محافظة بورسعيد التي شهدت اضطرابات بالجملة في أعقاب الاشتباكات، التي حدثت بين المتظاهرين وقوات الأمن سقط على إثرها عشرات القتلى ومئات المصابين في إطار الاعتراض على أحكام القضاء الخاصة بقضية مذبحة بورسعيد الشهيرة.

تأمين الدستور

وكان مُرسي استعان بالقوات المسلحة «جزئيًا» من قبل لتأمين عملية الاستفتاء على مواد الدستور أخيرًا، وأعطى لهم حق الضبطية القضائية أيضًا في سبيل تمرير استفتاء الدستور بصورة تضمن مروره بسلام دونما أعمال عنف، وخاصة أن الجيش نجح في تنظيم الانتخابات البرلمانية السابقة بكفاءة تامة. ومن ثم فإن مُرسي هو الأسرع في تاريخ بلاده في الاستعانة بالقوات المسلحة، ما اعتبره مراقبون «رسالةً مُبكرة تحمل في طياتها علامة على فشل النظام الحالي في احتواء الشارع بلجوئه سريعًا للقوات المسلحة».

ويرى آخرون أن الاستعانة الفورية والسريعة بالقوات المسلحة هي «رسالة أيضًا على فشل الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية التي ينادي بها الإخوان وعرفانًا بنجاح العسكر في حكم الشارع» ونقطة جديدة تُضاف لرصيد أنظمة ثورة يوليو التي أسقطتها الثورة إذ نجحت تلك الأنظمة في إحكام القبضة الأمنية لسنوات طويلة على الشارع وكان استعانتها بالجيش في حدود ضيقة وبعد فترات طويلة.

حياد الجيش

وفي المقابل، فإن عسكريين أكدوا أن نزول القوات المسلحة «أمر طبيعي» وقت الأزمات وليس خطوة نحو عسكرة الدولة أو ما إلى ذلك أو ليس اعترافًا ضمنيًا بفشل مرسي وخاصة أن تأمين الأجواء داخليًا من مهام القوات المسلحة وقت الحاجة.

يقول الخبير العسكري اللواء جمال مظلوم إن مهمة القوات المسلحة تظهر جلية في تلك الأجواء وحدَّد الجيش موقفه سلفًا؛ إذ أكد أنه على الحياد وليس له دور سياسي لكنه يمارس مهمته الطبيعية في حماية البلاد.