حاصر البرلمان العراقي حلم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بولاية ثالثة بتحديد ولاية الرئاسات بدورتين لا تتجاوزان ثماني سنوات.. لكن المادة 72 من الدستور تحدد ولاية رئيس الجمهورية بأربع سنوات ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فقط، لكنه أطلق ولاية رئيسي الحكومة والبرلمان من غير تحديد، وهذا ما تريد كتلة المالكي استغلاله.
ورغم أن الأخير يعلن أحيانا أنه لا يريد التجديد، لكنه يخفي إرادة قوية في البقاء بمحاولة تفتيت خصومه.
ويقف الآن نواب كتلة دولة القانون وراء الدعوة لإبطال أي تشريع يلزم الرؤساء الثلاثة بأن تكون ولايتهم محددة. وهذه بالطبع اشكالية ستثير خلافا واسعا كلما اقترب المالكي من نهاية ولايته، وترد الكتل المعارضة أن هذا الرأي يتعارض مع مبدأ الديمقراطية، ويفتح الباب للدكتاتورية ولحكم الفرد الذي يرغب بالبقاء في الحكم أكثر من ثماني سنوات، ولو كان هذا مقبولا لسمحت الولايات المتحدة، أو دول أوروبية ديمقراطية ببقاء زعمائها طوال العمر.
المنطقية لكل هذا أن الساسة العراقيين لا يثقون بشراكة مع زعيم يريد اخضاع الجميع على اعتبار أن رئيس الوزراء أغضب الشيعة والاكراد والسنة دفعة واحدة بدأت بفرض متابعة قضائية ضد نائب الرئيس طارق الهاشمي، وانتهت بدبابات عسكرية في قضاء طوزخورماتو وعصيان يبدو مثيرا ومقلقا في أغلب المحافظات الشمالية والغربية .
وكان المالكي تسلم المنصب في العام 2006 عندما حل خلفا لإبراهيم الجعفري، وفي الولاية الثانية شكل بانتخابات مارس 2010 ائتلاف دولة القانون الذي حل ثانيا بـ89 مقعدا، بعد القائمة العراقية التي فازت بـ91، ورشحت رئيسها إياد علاوي للمنصب إلا أن مسألة الأغلبية السياسية بعد تحالف ائتلاف المالكي مع التحالف الوطني الذي فاز بـ70 مقعدا، هي التي أزاحت «العراقية» وحسمت الموقف لمصلحة المالكي، ليتقلد منصبه رسميا في 21 ديسمبر 2010، ويشكل حكومة غير مكتملة حينها وإلى الآن.
أزمات متتالية
إن تجربة الحكومة الثانية للمالكي أعطت صورة واضحة عن حال العراق ومسار العملية السياسية، فلأنه انتزع رئاسة الوزراء انتزاعاً من الأطراف السياسية التي حصدت أعلى الأصوات في صناديق الاقتراع فإن الحكومة جاءت عليلة غير مكتملة لحد الآن، وبدأت عملها بأزمات متتالية وصولاً إلى هذه الأيام حيث حالة الصراعات والانقسامات السياسية، إلى جانب تدهور شامل يضرب كل مرافق الدولة ومجالاتها، بما فيها عودة التردي الى الجانب الأمني، أي تدهور الإنجاز الذي ظل المالكي يكرره طوال سنوات حكمه السابقة، لكن هذا الانجاز فقد بريقه، وعاد ليتحول الى كابوس مرعب للمواطن العراقي، خصوصاً وأن المعلومات تتحدث عن تزايد مخيف في عمليات الاختطاف، واختراقات مدروسة لأهم المؤسسات الأمنية، بحيث أصبح الوضع الأمني رهناً بقرار الجماعات الإرهابية وليس بيد الحكومة.
كما أن الحكومة الثانية عصفت بها الأزمات مبكراً، ووصلت بها الى حافة السقوط بسحب الثقة، ثم تداركتها رحمة الضغوط الخارجية وضربة حظ نالها رئيس الوزراء بانقسام جبهة سحب الثقة.
لكن فشل مشروع سحب الثقة يعطي مؤشراً واضحاً على توجهات الكتل السياسية وعلاقتها مع شخص المالكي، وهي توجهات رافضة بقوة لبقائه في الحكم لدورة أخرى، وأنها مستعدة للخوض في أي مجال واتجاه لتحرمه من البقاء في السلطة.
كما أن الأزمة السياسية التي تفجرت مع انسحاب القوات الأميركية من العراق تزامنت مع تدهور كبير في أداء المنظومة الأمنية، فجاءت سلسلة الهجمات التي تعرضت لها معظم المدن العراقية في الشهور الأخيرة وأودت بحياة الآلاف من العراقيين، لتكرس قناعة بدت عامة عن تأثر الواقع الأمني بحالة الوفاق السياسي الداخلي، وأن الفشل السياسي العام للمنظومة الحاكمة والمعارضة على حد سواء يتحمل، بأشكال ومنافذ مختلفة ومتعددة، مسؤولية الاضطراب الأمني المتصاعد.
إخفاق حكومي
وفي هذا الشأن تحديداً يمكن القول إنه في ظل تراكم الإخفاق في توفير الخدمات الأساسية ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وإقرار القوانين الضرورية، فإن مصدر القوة الأساسي لحكومتي المالكي الأولى والثانية يكمن في القدرة على ضمان الفارق الملموس على المستوى الأمني مقارنة بفترة الحرب الطائفية عامي 2006 و 2007، لكن تلك الفرضية تواجه باستمرار تحديات تفاقم الاضطرابات الأمنية وديمومة النشاط المسلح خارج المنظومة الرسمية.
غلطة المالكي
يعلم المالكي جيدا أن وصوله للولاية الثانية لم يكن ليتم لولا موافقة الأكراد، وأن هذه الموافقة هي التي أنتجت اتفاقية أربيل وهي التي جعلت القائمة العراقية تنصاع للأمر الواقع وتقبل به رئيسا للوزراء. وما يسعى إليه المالكي اليوم هو تعويض الصوت الكردي ببعض الأصوات السنية.
فاستراتيجية المالكي الجديدة تقوم على إنتاج «نخب» سنية تطيح بأية أمكانية لإعادة إنتاج تجربة التوافق، وهي خطة بدأت من مدة ليست بالقصيرة تقوم على تصعيد الموقف مع الكرد لدفع المواطنين في مناطق كركوك ونينوى وديالى، وإلى حد ما صلاح الدين، إلى تعديل خياراتهم لتكون باتجاه انتخاب أشخاص قريبين من المالكي، وأغلب الظن أن مواقف نواب هذه المحافظات من مسألة سحب الثقة هي التي أوحت للمالكي بإمكانية نجاح هذه الفكرة لكن الأكراد كشفوا «المؤامرة» حيث كانوا أول من أيدوا مظاهرات الأنبار للاحتجاج على سياسة الحكومة وشاركوا فيها ما جعلهم في وفاق دائم مع المحافظات السنية التي عبرت عن تثمينها لمواقف الكرد الشجاعة والتي بدأت باستضافتهم نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي في أربيل ورفض تقديمه للسلطات في بغداد لمحاكمته