يشدد جمعة، وهو صيدلاني، عبر مكالمة هاتفية مع موزع الأدوية أن يضاعف من كمية الشامبو والمحلول المخصص لعلاج القمل. وفور الانتهاء من مكالمته يقصد أحد الزبائن الصيدلية طالباً الدواء ذاته.
ويقول جمعة، المقيم في حي الشيخ المقصود الواجهة الرئيسية للنازحين المدينة:«استقبل يومياً عشرات المصابين ممن يعانون من تسرب القمل إلى أجسادهم»، مضيفاً وهو يقدم المحلول إلى المصاب: «لم يعد تغلل القمل محصوراً على شخصيات بعينها، بل غدا متفشياً بين معظم الناس، ولو لم أكن صيدلانياً لانتقلت العدوى إلي قبل غيري».
وعاد هذا المرض يطفو على السطح من جديد بعد اختفائه، نتيجة تداعيات ما يحصل في سوريا وتدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية وانقطاع الكهرباء والماء عن السكان. أما صلاح، وهو مقيم في حي بستان الباشا، فيكسر حاجز الخجل ويفصح بأن القمل «بات ينهش جسده»، مضيفاً: «لم استحم منذ شهر، فالمياه مقطوعة دائماً، بعد أن ضرب طيران النظام الشبكات الرئيسية».
ويصف صلاح، الذي يساعد الجيش الحر لوجستياً معاناته مع القمل ليلاً: «عندما أرقد إلى النوم، أشعر أن القمل يهتك جسدي رويدا رويدا، وعندما استيقظ في الصباح الباكر أرى أن بدني برمته تحول إلى ندابات من كثرة الحك، وكأنه أصيب بشظايا قذائف النظام».
عائلة ومدرسة
أما عائلة أبو أحمد، التي نزحت من حي السكري إلى الشيخ المقصود وتعيش في غرفة صغيرة الحجم، فتنام على فرشتين ممدودتين أرضاً، رغم أنها مكونة من سبعة أشخاص، حيث غمرت بداء القمل. ويقول أبو أحمد: «نادراً ما نتنعم بالمياه، فهي مقطوعة طيلة الأسبوع، حيث إن أولوياتنا تكمن في الحصول على مياه الشرب ومتطلبات الحياة الرئيسية، فيما كنا ننام جمعياً على نفس الفراش ونتبادل الغطاء دوما، ولم نتوقع يوماً أن يتسرب القمل إلى أفراد العائلة».
وإن توفرت المياه في بعض الأحيان، «فهذا لا يفيد شيئاً»، بحسب أبو أحمد، كون تسخينها بحد ذاته «يتطلب مادة المازوت المفقودة». ويستطرد: «ربما أتحمل الاستحمام بالمياه الباردة، لكن الأطفال الصغار في هذا البرد القارس سيصابون بأمراض مزمنة أفتك من القمل».
وتشير أم سالم، النازحة مع أطفالها الثلاثة إلى إحدى المدارس بحي الأشرفية: «نتألم من القمل المتغلغل في أجسادنا، لكن علاجه يستلزم التقييد بفترات الاستحمام اليومي، عدا عن أن المدرسة تنعدم فيها المياه الساخنة بسبب انقطاع الكهرباء، وبالتالي فعليك الإنتظار قرابة عشرة أيام، ريثما يأتي دورك في الاستحمام». ولهذا تقول أم سالم: «فليتغذى القمل على أبداننا كما يشاء، طالما أن الحرب والنزوح عن الديار وانقطاع المياه والكهرباء متواصل في حلب».