كادت حادثة الاعتقالات المتبادلة بين مقاتلي «جبهة النصرة» وكتائب الجيش الحر في مدينة الباب بريف حلب أن تؤدي إلى احتدام حرب طاحنة بين الطرفين لولا تدخل وجهاء المدينة لفض النزاع بينهما في اللحظات الأخيرة. ونجم هذا التوتر بسبب تنفيذ مقاتلي «النصرة» الذين يديرون هيئة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لأول مرة قرار المحكمة الشرعية في حلب باعتقال ستة عناصر من كتيبة «القوة 21» التي تعمل تحت إمرة الجيش الحر في المدينة بذريعة ارتكاب تجاوزات بحق الثورة.

ويقول النشطاء في الباب إن الهيئة تناط بوظيفة أمن الثورة وتعد بمثابة جهاز القضاء العسكري يشرف على الانتهاكات التي ترتكب بحق الثورة من قبل الكتائب المسلحة التي تعمل باسم الجيش الحر وفق الشريعة الإسلامية، ونادراً ما تتدخل في فصل النزاعات المدنية بين الأهالي، إذ إن كلمة الفصل تعود إلى المحكمة الشرعية في المدينة التي تديرها مجموعة من طلبة العلم والمحامين المنتمين إلى الثورة.

ويقول علاء، وهو ناشط ميداني في مدينة الباب، إن «الهيئة القضائية التابعة للنصرة تشكلت كجسم قضائي خارج إرادة أهل الباب بعد تحرير المدينة من قوات النظام، ولكن هناك إشكاليات كثيرة بشأنها، فهي تفتقر إلى النزاهة، كون القائمين عليها والذين يتراوح عدد أعضائها حوالي تسعة أشخاص لا يملكون دراية كافية بأمور الشريعة».

ويشير عزالدين، وهو طالب جامعي يعمل في تنسيقية مدينة الباب، إلى أن التسمية بحد ذاتها «كانت مثاراً للجدل في المدينة، فهي جاءت بطريقة اعتباطية دون الإجماع عليها بين الأهالي، فسكان المدينة، والذي يبلغ عدد قاطنيها حوالي 150 ألفاً ينتمون إلى الإسلام الوسطي، بيد أن تخاذل الدول الخارجية في إغاثة الثوار أدى إلى تعزيز دور هذه الهيئة». وأردف: «حينما تتقاعس الدول العالمية والعربية عن نصرة المنكوبين في البلاد، فأن الناس بالطبع سترضخ لمن يعاونها في أزمتها».

ويرى عزالدين أن المشكلة «تكمن في التسمية وليست في أفعال الهيئة»، ويستشهد ببعض الحالات التي أطلقت الهيئة أحكاماً بصددها عند تحرير المدينة ضد أسرى قوات النظام، قائلاً: «تم الإفراج عن عناصر من الأمن العسكري، لعدم وجود أدلة تثبت تورطهم في ارتكاب جرائم بحق السكان، غالبيتهم كانوا من الطائفة العلوية».

في حين صدرت أحكام ضد الجنود الجيش النظامي كرمي بالرصاص، «إثر إثبات تلطخ أيديهم بأدلة دامغة في سفك دماء الأبرياء»، بحسب ما يشير عزالدين.

أما أبو معاذ، وهو رجل دين معتدل، فيؤكد أن تطبيق أحكام الحدود «لم يصدر من قبل الهيئة ضد الكتائب العسكرية التابعة للجيش الحر، كونها أمراً فقهياً تتطلب بعض الشروط لتنفيذها»، مشيراً: «لا بد من أخذ موافقة الأمير أو الوالي الذي يمثل الجهة المركزية عند الدولة، وهذا الشرط لا يمكن تطبيقه في هذا التوقيت، لأننا نمر بمرحلة انتقالية، حيث غالبية الأحكام تتراوح بين السجن وعقوبة الغرامة المالية».

ويقول أبو معاذ إن الهيئة «كشفت قيام بعض العناصر التابعة للجيش الحر بسرقة كمية كبيرة من الذهب في حلب القديمة، وتم إحالتهم فوراً إلى محكمة أمن الثورة في حلب، واكتفت المحكمة بسجنهم مع فرض غرامة مادية».