تعيش منطقة الجزيرة السورية في أجواء مشحونة بين المكون الكردي، ترافقه التضافر الشعبي مع إطلاق نفير عام شبه رسمي يحض الشباب من المكون الكردي والعربي إلى الالتحاق بجبهتي القتال المندلع في مدينة رأس العين (سري كانيه) الواقعة في شمال شرق البلاد بين وحدات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، ومجاميع الكتائب المسلحة المنضوية تحت لواء الجيش الحر مع استثناء جبهة النصرة. فتخندق كل طرف في جبهته، والإيغال من شأن الهوية القومية على حساب الوطنية المشتركة، غدت لغة تهدد الوئام الاجتماعي وتبعث بضربة موجعة لمآل الثورة ومصيرها بحسب المراقبين.

وقد تبدو أسباب انطلاقة الجولة الثالثة من القتال بعد خرق الهدنة الهشة التي أبرمت بين الطرفين مكتنفة بالغموض والحيرة لدى المراقبين، سيما أن كلا الطرفين يسعى استراتيجياً إلى إسقاط النظام مع الاختلاف في الرؤى والتكتيك، فحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعمل في إطار هيئة التنسيق الوطنية يتخذ من النزعة السلمية هدفاً له ضد النظام السوري مع شرعنة لذاته حق الرد عسكرياً ضد أي طرف يخترق المدن والبلدات الكردية، في حين تتحرك تلك الكتائب المقاتلة بالمنطق العسكري لإسقاط النظام، وتبيح لنفسها العمل على كل الأراضي السورية وتحريرها من قوات النظام.

تناقض أهداف

بيد أن هذا التناقض في الأهداف لا يجيز اندلاع قتال في مدينة رأس العين بحسب ما يؤكد الجانب الكردي، فقد تحررت المدينة منذ شهور من براثن المقرات الأمنية والعسكرية التابعة للنظام، كما أن جغرافية المدينة التي تبتعد عن دمشق بمسافة 800 كلم لا تشكل نقطة استراتيجية تغري قوات الجيش الحر في السيطرة عليها، فضلاً عن أن الاتحاد الديمقراطي أعلن مراراً أمام المكون الكردي، وفي خطاباته السياسية الموجهة للجيش وقوات النظام، بأنه ضد انعراج المناطق الكردية إلى دائرة النزاع العسكري بين الطرفين.

وعليه، يبدو إصرار الكتائب المسلحة التي تتخذ من تركيا معقلاً لها، وتتذرع بتواطؤ الاتحاد الديمقراطي مع النظام في سبيل اقتحام رأس العين مثارا للجدل في الأوساط الكردية.

حقول النفط

ويربط المراقبون المؤشرات الأولية لنذير القتال الحاصل، مع شن عناصر الاتحاد الديمقراطي حملة عسكرية ضد فلول النظام التي كانت تحرس حقول النفط الواقعة في رميلان في أقصى شمال شرق البلاد. وبحسب بعض المعلومات المسربة التي تشير أن الجيش الحر اشترط على الاتحاد الديمقراطي أن يسلم الأسلحة المخزنة في تلك المقرات العسكرية إلى الكتائب التابعة له، لقي بالرفض من قبل الاتحاد الديمقراطي. علاوة على ذلك أحكمت وحدات الحماية الشعبية سيطرتها على حقول النفط في منطقة الجزيرة. هذا الأمر قد يثير حفيظة تركيا التي تدعم الكتائب المقاتلة بالأسلحة والمال وتؤمن لهم كل الشروط اللوجستية وبعض الشخصيات المعارضة في سبيل كسر شوكة الاتحاد الديمقراطي الجناح الموالي لحزب العمال الكردستاني في سوريا.