من رحم شتاء قاسٍ، وفي ظل توقف توريد المحروقات وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، ولدت فكرة ابتكار مصافي بدائية الصنع. هذا الابتكار المستحدث على يد القرويين في مناطق الشمال الشرقي هو سلاح ذو حدين، فهو يوفر الوقود اللازم لسد حاجيات الناس من التدفئة، وتشغيل الآليات ووسائل النقل، ومولدات المخابز، وتخفي بين ثناياه تداعيات تصل إلى التسبب في وفاة العديد من الأشخاص، ليغدو هذا الابتكار عنواناً يخيّر أصحابه بين سد الحاجة واحتمال مفارقة الحياة.
وتتم عملية تكرير النفط يدوياً بوجود برميل معدني بثلاث فوهات، ومن ثم توصيل تلك الفوهات بثلاثة أنابيب. فوظيفة الأنبوب الأول، بحسب ما استطلعت «البيان» في جولاتها الميدانية، هو تزويد الفرن بالنفط الخام، والأنبوب الثاني الواصل مع الفرن من طرف مواز والغاطس تحت ماء بارد بمسافة تقدر من أربعة إلى ستة أمتار، ينتهي في إفراز أصناف المحروقات على دفعات متتالية. وتكمن مسؤولية الأنبوب الثالث في رمي المخلفات والبقايا من الشحوم والزيت إلى البركة المخصصة لها.
فرز المحروقات
والخطوة الثانية هي إضرام النيران بالإطارات المتموضعة أسفل البرميل، بالتزامن مع إغلاق المنافذ والفوهات بشكل محكم، عدا عن ترك فوهة صغيرة الحجم مفتوحة للتنفيس عند اشتداد الغليان. وحين ترتفع درجة الحرارة إلى مستوياتها المطلوبة، يفرز الأنبوب الثاني مادة الجاز أولاً، كونه أخف وزناً، ويليه مادة البنزين، ثم يأتي الدور على مادة المازوت، بينما يختلط الكيروسين والغازات والمشتقات النفطية الأخرى مع تلك العناصر الثلاثة.
وبحسب العاملين على هذه المصافي، فإن تمييز تلك الأصناف عن بعضها البعض يتم عبر اللون والرائحة، أي الاعتماد على حاسة الشم والرؤية. ويحتوي برميل خام واحد على 200 ليتر تقريباً، ينتج قرابة 70 إلى 125 ليتراً من مادة المازوت، وحوالي 25 ليتراً من البنزين. أما حصة الجاز، فتصل ما بين 10 إلى 15 ليتراً. وقد لا تبدو هذا الأرقام ثابتة، فهي تتراوح بين ارتفاع وانخفاض بناء على خبرة القائمين على العملية. ومصدر الفكرة، كما يقول السكان، مستوحى من خبرة الموظفين المحليين الذين كانوا يعملون بالحقول والمصافي النفطية في سوريا. كما أن وقوع بعض آبار النفط الخام بيد الجيش الحر في دير الزور، وتعمد النظام في فرض الحصار وعدم تزويد المناطق الثائرة بمستحقاتها من مادة المحروقات، إضافة إلى تراجع مستوى إنتاج مصافي بانياس وحمص، أدى إلى انتشار هذا الابتكار بين السكان.
مخاطر كبيرة
لكن هذه العملية لا تمر بلا مخاطر. وذكرت إحدى الإحصاءات الصادرة عن منظمة حقوقية محلية، أن عدد الوفيات جراء تفجير البراميل تجاوز الـ 30 شخصاً. ويرجع أبو مسلم الديري، المقيم في إحدى القرى النائية بدير الزور، مسببات هذه الوفيات إلى انعدام التجربة حيال عملية تكرير. وتفحمت جثة أحد أقربائه نتيجة الضغط المتزايد على البرميل، كونه نسي فتح الفوهة التي تمد البرميل بالأوكسجين أثناء الغليان.
وليس هذا السبب الوحيد لوفيات التكرير. فسماكة صفيح البرميل التي لا تتجاوز 2 ملليمتر بحد ذاته تعد قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، حيث يشترط المختصون بالضرورة أن يكون حجم سماكة البرميل أو الخزان المراد تكرير النفط فيه يقدر بـ 16 ملليمتراً، وهو ما ليس متوفراً في هذه المصافي البدائية.
وتكمن مكامن الخطر، كما يشير مروان، المتحدر من بلدة كوباني التابعة لمحافظة حلب، أثناء عملية غليان النفط الخام، كونها تحتاج إلى مراقبة حثيثة عن القرب، لتأكيد إذا ما كانت درجة حرارة النيران تصل إلى المستوى المطلوب، وإن كانت الإطارات المشتعلة تقذف بالنيران إلى مكانها المتوقع. ويقول مروان: «يتحرك ثلاثة أشخاص في دائرة تقدر بخمسة أمتار، وفي حال حدوث أي انفجار قد نفارق الحياة».
