أسرار وكواليس دور الخارجية المصرية وجهاز الاستخبارات العامة لا تزال محاطة بجملة من التساؤلات، فضلًا عن حديث لا ينقطع بشأن تهاوي الدور الذي لعبته الدبلوماسية المصرية خلال الاعوام الأخيرة لعهد الرئيس السابق حسني مُبارك. وأراد وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط إزاحة الستار عن تلك التساؤلات والتأكيد على حقائق وأحداث بعينها، من خلال قيامه بنشر مذكراته في كتاب صدر حديثًا في القاهرة تحت عنوان «شهادتي»، كاشفاً عن نفوذ مدير الاستخبارات اللواء عمر سليمان بكونه شريكاً في صنع القرار بعد العام 1995.

وفي مقدمته للمذكرات، يقول الوزير الأسبق الذي تولى حقيبة الخارجية المصرية منذ يوليو 2004 حتى مارس 2011: «أتابع هؤلاء الذين يقودون حملة عارية من الصحة عما سموه فقدان الدور المصري على المستوى الدولي والإقليمي- العربي-الأفريقي- المتوسطي- والتنظيم الدولي. إن مصر كانت نشطة وقادرة على التفاعل والمبادأة، لكن في حدود إمكانياتها وقدراتها الاقتصادية والمالية وغيرها»، كاشفًا عن الباعث والدافع الأهم والأبرز الذي دفعه لتقديم مذكراته.

وفي «شهادتي»، يعرج أبو الغيط على أزمة كان يتعرّض لها الرئيس المصري السابق وهي «الملل الرئاسي» الذي دفعه إلى أن ينأى عن كثير من المحافل العالمية والدولية، وخاصة الأفريقية، التي كان يغيب عنها، وسط تساؤلات مُتعددة، مؤكدًا على أن محاولة اغتيال مُبارك في أديس أبابا في العام 1995 أثرت في اهتمامه بأفريقيا. ويقول: «كان العالم يتغير وتنشأ به تحالفات وتجمعات وكيانات، غابت مصر عنها بإرادتها على الرغم من دعوات المشاركة التي تلقيناها».

تجاهل واهتمام

ويشير الوزير الأسبق إلى أنه رغم تجاهل مُبارك للعلاقات مع الدول الأفريقية، إلا أنه كان حريصًا كل الحرص على توطيد علاقاته بالمحور الخليجي، إضافة إلى اهتمامه النشط مع سوريا وليبيا أيضًا، خاصة في ظل توطيد العلاقة بين مبارك والعقيد معمر القذافي، رغم أن الاخير كان في أوقات كثيرة ينتقد الإدارة المصرية ويضع الرئيس السابق في وضع حرج، لكن مُبارك كان دائمًا ما يُردد «القذافي واعٍ جدًا ومحنك سياسيًا، وخبثه عميق، ومن ثم من الضروري أن نتعايش معه حفاظًا على مصالح كثيرة لنا مع ليبيا». ويشير أبو الغيط إلى أن مبارك كان يؤكد على ضرورة ألا تسمح الإدارة المصرية للقذافي بتعقيد علاقاتها مع السعودية أو بقية دول الخليج. ورغم «كُفر» نظام مُبارك البيِّن بالبعد الأفريقي، يقول كاتب «شهادتي»: «كان الرئيس يعطي السودان اهتمامًا كبيرًا باعتباره التوأم الآخر في وادي النهر الذي تربطه بمصر أقوى الأواصر».

دور الاستخبارات

ويؤكد أبو الغيط في كتابه على دور جهاز الاستخبارات بقيادة اللواء عمر سليمان، مؤكدًا أنه لعب دورًا كبيرًا في مصر وخاصة منذ العام 1995 ونجاحه في إحباط محاولة اغتيال مُبارك، حيث شكَّل سليمان «قوةً لا يستهان بها في الإدارة المصرية كانت لها البصمات الرائدة في جملة من الملفات الخارجية، وخاصة كل ما يتعلق بالعلاقات المصرية- الأميركية، إضافة إلى ملف حوض النيل، والقضية الفلسطينية، والعلاقة مع الجانب الإسرائيلي، وبات شريكًا وفاعلًا رئيسًا في صناعة القرار المصري».

ويؤكد الوزير الأسبق أن «علاقة سليمان ومبارك كانت قوية للغاية، وكان يثق فيه الأخير جداً»، مؤكدًا على واحدة من سمات مبارك وهي الخوف من التغيير والتجديد لوأد أي مشكلات، وكذلك حال سليمان الذي لم يطلب يومًا ترقية في منصبه أو ما إلى ذلك. ويردف: «كثيرًا ما تناولت الموضوع بالحديث مع سليمان، وعبَّرت له عن استغرابي من أن الرئيس مبارك لم يقم بإعطائه لقبًا أو درجة نائب رئيس وزراء؛ لكي يأتي في أقدمية متقدمة عن الكثير من وزراء الحكومة الذين كانوا يسبقونه في سلم أولويات البروتوكول وتشكيل الوفود. وللحق، كان الرجل يصمت ويعمل بدوافع وطنية غير شخصية رغم قوة نفوذه وتأثيره ولجوء الكثيرين إليه للنصيحة أو الشكوى».

ملف التوريث

وعن موقف اللواء سليمان من «ملف التوريث» في مصر، يقول أبو الغيط، إن علاقة طيبة نشأت بينه وبين سليمان؛ الى درجة تجاذبهما الحديث في «كل المواقف والملفات المهمة»، قائلاً: «كنا نرفض هذا الاتجاه في التوريث ونثق في أن قيادة القوات المسلحة المصرية والجيش لن يقبلا بهذا الوضع».

وتطرّق وزير الخارجية المصري الأسبق في شهادته لدور رئيس ديوان الرئاسة زكريا عزمي، مؤكدًا على كونه «لعب دورا كبيرا في الإدارة المصرية، وكان من أحد الأفراد الذين يثق فيهم مُبارك ثقة مطلقة».

شخصية مبارك

وعن الانتقادات التي وجِّهت ضد الخارجية المصرية خلال الاعوام السبعة الأخيرة في عهد مبارك والتي كان يتحمل مسؤوليتها أبو الغيط نفسه، يقول: «أتعجب ممن كانوا يطالبون وزارة الخارجية بالمزيد من النفوذ في أفريقيا والدول العربية. هم لا يعلمون مدى ضعف ميزانيتنا التي نعمل بها ونحاول بما أتيح لنا من إمكانيات الظهور بالشكل الملائم الذي يليق بمصر».

واهتم أبو الغيط في شهادته بتقديم قسط كبير عن ملف «حوض النيل»، إذ يؤكد على كون الشخصية «العنيدة» لمُبارك وخلافاته مع بعض الوزراء، وأبرزهم وزير الموارد المائية الأسبق محمود أبوزيد، جعلته يهدِّد المصالح المصرية بصفة عامة. ومن ثم كان يضطر، وفق شهادته في الكتاب، إلى أن «يحاول إبعاد الرئيس عن رؤساء دول حوض النيل حتى لا تتفاقم الأزمة بسبب شخصية مبارك العنيدة».