أكّدت رئيسة الجمعية التونسية لمساندة الأقليات يمينة ثابت أنّ «مسودة الدستور الجديد تتجاهل حقوق الأقليات»، مؤكّدة أنّ «تجاهل الأقليات أخطر من اضطهادها»، كاشفة عن هجرة واسعة للأقليات في تونس عقب ثورة الياسمين خشية التعرّض للأذى من المتعصبين دينياً.

واتهمت ثابت في حوار مع «البيان»، الحكومة تجاهل قضيّة الأقليات واستغلاله أحياناً في الدعاية السياسية والإعلامية لها في الغرب، نافية في الوقت ذاته الاتهامات بعلاقة الجمعية بجهات خارجية، لافتة إلى أنّ «هدف الجمعية يتمثّل في ترسيخ روح المواطنة التي تأوي الجميع غض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو اللون. وفي ما يلي نص حوار «البيان» ويمينة ثابت

كيف ترين واقع الأقليات في تونس؟

أعتقد أنّه واقع صعب، وما شهدته تونس منذ الثورة من اعتداءات على بعض المعابد مثل الكنيسة الارثوذكسية والمقامات الصوفية، وحديث وزير الداخلية عن كشف محاولة اختطاف يهود تونسيين، كلها أمور تثير مخاوف الأقليّات، فضلاً عن أنّ التهديدات التي تعرّض لها بعض اليهود و المسيحيين تعتبر خروجاً عن قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وروح المواطنة التي بشّرت بها ثورة الياسمين، كما أنّ الخطاب السياسي التونسي غير مدرك لمسألة الأقليّات، فعندما يقول مسؤول كبير «كلنا تونسيون وكلنا مسلمون » يمكن أن يرد عليه يهودي أو مسيحي أو بهائي تونسي «كلنا تونسيون ولكن لسنا جميعا مسلمين»، وعندما يقول البعض «كلنا عرب» سيجد من يقول له «هناك من ليسوا عربا في تونس وعليك احترام مشاعرهم الوطنية».

إنّ الحديث عن التسامح للأسف هو حديث فوقي يعني تسامح القوي مع الضعيف أو الأغلبية مع الأقلية في حين أنّ المطلوب يتمثّل في الحديث عن التعايش والمواطنة بين الجميع تحت «خيمة الوطن»، عموماً المسألة متداخلة وتحتاج وعياً بأنّ المواطنة لا تتناقض مع اختلاف الهوية الثقافية والحضارية والانتماء الاثني في بلد عريق مرّت عليه كل الأديان والمعتقدات كما عرف حضارات شتى تركت بصمتها عليه من خلال الأغلبية و كذلك من خلال الأقليّات.

ذعر أقليات

هل تخشون في الجمعية من استهداف الأقليات؟

تونس تعيش مخاضاً عسيراً لاسيّما على الصعيد الأمني، وإذا كانت الأغلبية خائفة من العنف والانفلات الأمني ومنطق الإقصاء فما بالك بالأقليات المهدّدة في وجودها في ظل ديكتاتورية وليدة تدّعي التعبير عن الأغلبية، والجمعية رصدت من خلال دورها كمرصد لمتابعة شؤون الأقليات حالة الذعر بين اليهود التونسيين بعد إطلاق شعارات معادية لهم وتدعو الى قتلهم، وهجرة عدد من التونسيين من الأقليات الجنسية كانوا يعيشون حياة عادية قبل الثورة في ظل سيطرة الدولة ثم خافوا على حياتهم في حال اكتشاف أمرهم، على الرغم من أن بعضهم كان في مركز اجتماعي متقدّم، وقد تعرّضت الأقلية الشيعية الى التعنيف في قابس إثناء إحدى التظاهرات، كما تعرّضت مقامات صوفية إلى الهدم والتخريب، هذه الأحداث وغيرها تثبت أن الأقليات في تونس مستهدفة بشكل غير مسبوق ، لاسيّما أنّ التشدّد الديني بلغ مداه وبات يشكّل خطراً على الجميع خصوصاً الأقليات.

تجاهل حقوق

كيف ترين موقع الأقليات في مسودة الدستور الجديد التي تتم مناقشتها حاليا ؟

مسودة الدستور الجديد تخلو من أية إشارة لموضوع الأقليات، واعتقد أنّ تجاهل الأقليات أخطر بكثير من اضطهادها لأنّ التجاهل هو الذي يشرّع للإقصاء والعزل والاضطهاد، وقد وجّهنا رسالة إلى المجلس الوطني التأسيسي طالبنا فيها بضرورة تضمين فصل في الدستور ينص على حماية الأقليات ليكون منطلقا للتشريع القانوني القادر على مواجهة أي اعتداء مادي أو معنوي ضد تلك الأقليات، ودعونا مراراً إلى النص في الدستور وبوضوح على أنّه لا يجوز التمييز بين التونسيين بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل الاجتماعي أو النسب أو الإعاقة أو غير ذلك.

أيضاً طالبنا بضرورة التركيز على روح المواطنة قبل الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي، فإذا كان على رئيس الدولة مثلا أن يكون مسلما فمعنى ذلك أن اليهودي التونسي لا يحق له أن يطمح إلى أن يصبح رئيسا في بلاده التي يحمل جنسيتها وعليه أن يهاجر إلى إسرائيل ليطمح بأن يكون رئيسا فيها.

نحن من خلال الجمعية ندعو المجلس الوطني التأسيسي إلى العمل على تكريس الخيارات والسبل الكفيلة بتغليب قيمة المواطنة عض النظر عن الانتماءات الأخرى الضيقة، وتكريس أمن جمهوري قادر على توفير الحماية للأغلبية وللأقلية على حد السواء، ما يتيح المساواة بين كل المواطنين دون التمييز بينهم على أساس اللون أو اللغة او الجنس أو الدين، كما أنّ المجتمع الحر الديمقراطي لا يمكن أن يستثني أي طرف من مكوّناته كاستثناء اليهود التونسيين من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، ما يشعرهم أنّهم ناقصو المواطنة، رغم أن الشاب اليهودي يريد أن يشعر بأنّه لا يختلف عن التونسي المسلم في القيام بواجبه الوطني، لكن هناك من دعا إلى تخصيص مقعدين لليهود ومقعد للمسيحيين في البرلمان القادم.

قطعاً لا أحد يطالب بمنحة أو معاملة خاصة لأي فرد من الأقليات، وإنما بمعاملة كل التونسيين على قدم المساواة، ومن حق اليهودي والمسيحي كما من حق المسلم، ومن حق الأمازيغي كما من حق العربي، ومن حق الأسود كما من حق الأبيض أن يترشح لجميع المناصب من منصب العمدة إلى منصب رئيس الدولة، وأن يوفّر له الدستور هذا الحق، ويبقى الحكم في ما بعد للناخب، وهذا لن يتم إلّا في إطار تشريعي وقانوني وثقافي وسياسي لا يمّيّز بين التونسيين، بمعنى آخر نحن ضد تخصيص مقعد أو مقعدين لليهود أو للمسيحيين من باب التزيين أو التلوين أو الأخذ الخاطر أو الاستثمار الإعلامي في الخارج، وإنما نطمح إلى إزالة الحاجز الذي قد يحول دون المنتمي إلى أية أقلية من الطموح الى أي منصب في البلاد بما في ذلك منصب رئيس الدولة.

تقديم دعاوى

هل تقدمتم بدعاوى قضائية ضد مهاجمي الأقليات؟

نعم تقدّمت الجمعية التونسية لمساندة الأقليات الدينية والثقافية بشكوى إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بتونس ضد الإمام أحمد سهيلي من أجل التحريض على الكراهية، وذلك على خلفية تشجيعه ودعوته في خطبة الجمعة خلال ديسمبر الماضي إلى كراهية اليهود ورسالته كانت واضحة، فعندما يدعو ذلك الإمام على حد قوله إلى الكراهية عبر وسيلة إعلام مرئية يشاهدها الإنسان المثقف والبسيط فهذه مسألة خطيرة خاصة أنّ العقليات تختلف وتقدير الأمور يختلف أيضا من شخص إلى آخر.

ولا تعتبر الشكوى ضد الإمام الأولى التي ترفعها الجمعية إذ سبق وأن تقدّمت بثلاث شكاوى ضد مجموعات حرّضت خلال مظاهرة بشارع الحبيب بورقيبة على قتل اليهود.

الجمعية تبدو كثيرة النشاط وهناك من يتهمها بتلقي الدعم من جهات استخباراتية خارجية كيف تردين؟

بالتأكيد ليست لنا علاقة مع أي طرف خارجي ما عدا بعض الجمعيات الحقوقية، أما أنشطتنا فنموّلها بمواردنا الذاتية ومن التبرعات ونحن جميعا متطوعون للعمل في إطارها، مع الإشارة إلى تلقينا بعض المساعدات من قبل المركز الثقافي الفرنسي والمجلس الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.