في تطور يكشف انسداد الأفق السياسي، وقعت 52 دولة على عريضة موجهة إلى مجلس الأمن تدعو إلى إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية للنظر في تجاوزات حقوق الإنسان، وهي خطوة ستفتح الطريق أمام محاكمات بارتكاب جرائم حرب، في وقت طالبت قطر الدول العربية بإرسال قوات «حفظ أمن» إلى سوريا.
وذكرت مسودة خطاب الدول الـ52 الأعضاء في الأمم المتحدة أن الوضع في سوريا «ينبغي إحالته إلى محكمة جرائم الحرب في لاهاي بدون استثناءات وبغض النظر عن الفاعلين المزعومين»، مضيفةً: «على أقل تقدير، سيبعث المجلس برسالة لا لبس فيها يعلن فيها أنه ينوي إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية الدولية ما لم تؤسس عملية محاسبة صادقة ونزيهة ومستقلة في توقيت مناسب». ويستشهد الخطاب بالنتائج التي توصلت إليها لجنة خبراء أممية وتتحدث عن عمليات إعدام بدون محاكمة وتعذيب وعنف جنسي تقع منذ بدء الانتفاضة في مارس 2011.
كما أنه يشير إلى التماسات متكررة من قبل مفوضة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وقرارات مجلس حقوق الإنسان بالمؤسسة الدولية التي تدعو إلى تحويل القضية إلى المحكمة الجنائية. ووقع مسودة الخطاب مندوب سويسرا في الأمم المتحدة نيابة عن عشرات الدول، بينها بريطانيا وفرنسا، وهما اثنتان من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فيما لم توقع عليه الدول الثلاث الأخرى دائمة العضوية وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا لكونها غير موقعة أساساً على اتفاقية الانضمام إلى المحكمة.
وأفاد مندوب برن لدى المنظمة الدولية أدريان سولبرغر أن العريضة ستسلم غداً الاثنين، موضحاً أن بلاده «بادرت باقتراح مثل هذه الخطوة في يونيو الماضي، وهي الآن تحظى بدعم أكثر من خمسين دولة من كافة أنحاء العالم ما يعطي الدعوة ثقلاً سياسياً كافياً». وتابع: «ينبغي التحقيق في المزاعم المتعددة حول جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سوريا وجلب المسؤولين من كافة أطراف الصراع إلى العدالة».
رسالة أوروبية
كما كتب وزراء خارجية كل من النمسا مايكل سبينديليغر والدنمارك فيلي سوفندال وايرلندا ايمون غيلمور وسلوفينيا كارل ايريافيك في رسالة مشتركة تدعم العريضة ان «جرائم فظيعة ارتكبت خلال النزاع في سوريا، لكن لم يرتب ذلك اي تبعات على مرتكبيها».
واضافت الرسالة: «نظراً الى القلق البالغ في هذا الشأن وغياب الملاحقات في سوريا، ندعو مجلس الأمن الى احالة مسألة الوضع في سوريا بشكل طارئ الى المحكمة الجنائية». واعتبر الوزراء الأربعة ان «احالة هذه القضية الى المحكمة الجنائية الدولية ستجعل بديهياً بالنسبة لأي مقاتل من كل الأطراف في النزاع ان الجرائم الاكثر خطورة ستكون موضع عقاب في نهاية المطاف».
واضافت الرسالة: «كل الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يجب ان يحاسبوا. هذا المبدأ ليس ولن يكون موضع تفاوض». يشار إلى أن سوريا لم تشارك في انشاء «الجنائية».
قوات عربية
في هذه الأجواء، أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أن «على العرب أن يفكروا بشكل جدي في إرسال قوات لحفظ الأمن في حال فشلت المساعي الدبلوماسية»، مؤكداً أن أي حل سياسي يفترض أن تكون هناك حكومة انتقالية ذات «صلاحيات كاملة»، وهو ما يعني أن «يتنحى بشار الأسد عن منصبه».
وقال حمد بن جاسم في تصريح لمحطة «الجزيرة» إن الأمر «لا يتعلق بتدخل عسكري أي مناصرة طرف على طرف، بل بقوات حفظ أمن»، مشيراً إلى أن العرب «قادرون من خلال هذه القوات على وقف حمام الدم». وأضاف: «الولايات المتحدة وروسيا ليستا متفقتين، وهناك تباين في الآراء، والمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي يسعى إلى إيجاد أرضية مشتركة للذهاب إلى مجلس الأمن بصوت واحد حتى يكون بالإمكان الخروج من المجلس بقرار واحد، لكن إلى متى وإلى أي وقت؟». واستطرد: «لا نستطيع أن ننتظر إلى ما لا نهاية في هذا الموضوع».
موقف روسي
إلى ذلك، جددت وزارة الخارجية الروسية في بيان «الدعم الثابت» لمهمة المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، عقب الاجتماع الثلاثي الذي عقد في جنيف وضمّه إلى ممثلين عن الجانب الأميركي والروسي، والذي لم يحقق اختراقاً. وجدد البيان «تمسك روسيا ببيان جنيف كأساس للتوصّل إلى حلّ حول الوضع في سوريا»، مضيفاً أن «الأولوية هي لوقف كافة أشكال العنف وإراقة الدماء من دون إبطاء، وتقديم مساعدات إنسانية للسوريين».
وأشارت الخارجية الروسية إلى أنه يجب بالتوازي «ضمان إطلاق عملية انتقال سياسي في سوريا تهدف إلى تثبيت حقوق مضمونة ومتساوية لجميع الطوائف، على المستوى التشريعي».
وأضاف البيان: «مازلنا نصرّ على أنه يجب أن يقرر السوريون أنفسهم مسائل مستقبل سوريا من دون تدخّل خارجي وفرض وصفات جاهزة للتطوّر، وعلى اللاعبين الخارجيين الأساسيين تقديم أقصى دعم ممكن لهم والاسترشاد بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، على حد وصفه.
يورانيوم سوري
قالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند ان الولايات المتحدة «تدقق» في تقارير عن امتلاك النظام السوري كميات من اليورانيوم، مشيرة إلى أن «عدم وفاء النظام السوري بالتزاماته الدولية ما زال مصدر قلق جدي للمجتمع الدولي».
وردت نولاند في مؤتمر صحافي عقدته على سؤال عن اتهام دمشق بامتلاك كميات من اليورانيوم، قائلة: «من دون الدخول في معلومات استخباراتية، أود أن أقول ببساطة إننا لطالما عبرنا عن قلقنا في ما يتعلق بنشاط سوريا النووي السري وعدم وفائها المستمر بالتزاماتها الدولية».
وأضافت: «نحن على علم بتلك التقارير التي تتحدث عن أن لديها هذا النوع من المواد (اليورانيوم) التي يمكن أن تستخدم في أسلحة دمار شامل، وسوف نستمر في العمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونحمل النظام السوري مسؤولية امتلاك هذا النوع من المخزونات».




