يعكس قرار الرئيس الأميركي، باراك أوباما، اختيار جاك لوو وزيراً للخزانة، خلفاً لزميله المغادر، تيم غايتنر، توجه الرئيس، في إدارته الثانية، نحو التركيز على معالجة الأزمة المالية، ومنحها الأولوية في سياسته الداخلية، وهي مسألة معقدّة ومستعصية، في ضوء الوضع الاقتصادي الراهن، والفجوة المتوسعة في الموازنة بين إيرادات الخزينة ونفقاتها، والمتوقع استمرارها طوال السنوات العشر المقبلة، بمعدل تريليون دولار وما يزيد سنوياً. وتزداد الصعوبة في ضوء تناقض عميق في المقاربة العلاجية بين فريقي الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، في الكونغرس الذي يمسك بمفتاح الخزينة العامة، والمقرر الأخير لأرقام الموازنة، مع كل ما يترتب عليه ذلك لجهة السياسات الداخلية ومشكلة الديون العامة المتراكمة، والتي تهدّد إذا ما استفحلت بالعجز عن سداد المتوجب في أوقاته، لو مانع الكونغرس المزيد من الاستدانة.

وقد رشح أوباما، أمس جاك ليو، للمنصب، وقال في حفل في البيت الأبيض إن ليو يحظى بثقته الكاملة، وأعرب عن أمله في أن يصدق مجلس الشيوخ على تعيين ليو في أسرع وقت.

جاك لوو الذي يشغل الآن منصب رئيس جهاز طاقم البيت الأبيض هو البوابة الرئيسية الحصرية لكل ما يدخل إلى المكتب البيضاوي ويخرج منه منذ 2012. قبل ذلك كان مدير مكتب الموازنة، وهو منصب بمستوى وزير، ويحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ، وقد كان في هذا المنصب في ولاية الرئيس السابق، بيل كلينتون، ثم شغل وظيفة عالية في وزارة المالية. قبل ذلك، كان مديراً لقسم "وحدة البدائل للاستثمارية " في مصرف سيتي بنك بين 2006- 2009، لكنه ليس رجلاً مصرفياً أو خبيراً استثمارياً، بقدر ما هو معروف خبير موازنة متمرّس. ومن هذا الموقع، لعب دوراً في حلّ مأزق تجاوز سقف المديونية في2011، والذي كاد أن يؤدي إلى إعلان أميركا عجزها سداد التزاماتها المالية، ويلوح مثل هذا الخطر مرة أخرى في الأفق غير البعيد، ففي مارس المقبل لا بدّ من رفع السقف، وإجازة الاستدانة من جديد.

الوزير الجديد، خرّيج جامعة جورج تاون في الحقوق، ومتخرج قبلها من هارفاد، جيء به لتقارب لتطابق توجهاته مع الرئيس، من أجل مواجهة هذه العقبة، فهو مفاوض مالي حازم وصارم. لكن، إذا كان مشهوداً له بوسع الخبرة في هذا المجال، إن من الجهة التقنية أو من جهة التخطيط؛ فإن هناك علامات استفهام سارع اختصاصيون إلى طرحها، في مقدمتها مسألة الضوابط المالية التي رأى معظم الخبراء أن رخاوتها انطلقت في الثمانينات، وتراخت مجددا مع كلينتون أيام كان لوو من كبار مساعديه الماليين. الوزير الجديد سبق وقال إنه ليس متأكداً من أن مثل هذا التراخي تسبب بأزمة 2008، ويعتقد أن الأزمة المالية "سابقة لموضوع الضوابط "، وهذه خلاصة لا يتفق معها معنيون كثيرون في هذا المجال.

علاوة على ذلك، يقول هؤلاء إنه يفتقر إلى العلاقات والخبرات الدولية اللازمة له وزيراً للخزانة، خصوصاً وأن عليه التعاطي مع أزمات وعقبات خارجية هائلة، تتراوح بين موضوع العملة الصينية التي تشكو أميركا من انخفاض قيمتها تسهيلاً للصادرات الصينية، إلى الأزمة المالية الأوروبية، فضلاً عن تموجات العولمة وأسواقها. فهذه الأخيرة ستتابع توجهاته، وإن كانت تخص الساحة الداخلية، مع ما يستتبع ذلك من آثار ومضاعفات على حركة الأسواق المالية خصوصاً. لكن، على الرغم من هذه التقييمات، وعلى الرغم من سلبية الجمهوريين في مجلس الشيوخ تجاهه باعتباره محسوباً على الخندق الليبرالي، تشير التوقعات إلى أن الوزير( من عائلة أرثوذكسية يهودية لكن بعيد عن أجواء السياسة) سيحظى في النهاية بالموافقة. والأهم أن من المتوقع أن يحالفه الحظ إذا لم يكن في حلّ الأزمة المالية العاتية غير المسبوقة، فعلى الأقل وقف التردي في مسارها.